بين منظور الفقهاء القدامى وتحولات العصر
« الحرب والنزعات المسلحة أنموذجا »
إعداد الطالب الباحث: الجـــيلالـــي الأخـــــضـــر
مركز دراسات الدكتوراه: في العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية والشرعية والتدبير
كلية الشريعة بفاس/ سايس
مدخل:
لا زالت علاقتنا مع الآخر، المخالف لنا في الشريعة والعقيدة، تقوم وتؤسس على تقسيم الفقهاء القدامى للمخالفين لنا في الدين؛ إلى دار حرب، ودار سلام، رغم التحولات والتغيرات التي شهدها عالمنا المعاصر؛والتي توجب علينا أن نغير نظرتنا، والمنظار الذي كنا ننظر به إليهم،والتي كانت صالحة لعصرها، ونجتهد لعصرنا بمنظور المقاصد العامةللشريعة الإسلامية، المبنية على الترجيح بين المصالح والمفاسد، تبعا لتغير أحوال الزمان، وما آل إليه حال المسلمين اليوم على مجموعة من المستويات.
فكيف كان ينظر فقهاؤنا القدامى للمخالفين لنا في العقيدة والشريعة، وكيف تتأسس علاقة الدولة الإسلامية معهم في حالة الحرب على وجه الخصوص؟
وقبل الخوض في هذه الإشكالية القديمة/ الجديدة؛ لابد أن نلقي نظرة سريعة على مجموعة من الخصائص التي تمتاز بها الشريعة الإسلامية خلافا لباقي التشريعات السماوية الأخرى والوضعية على حد سواء، وعلى الأسس والمبادئ التي تقوم عليها علاقتنا مع الآخر المختلف عنا، عبر استقراء النصوص الشرعية الداعية لهذه المبادئ والأسس.
أولا: خصائص الشريعة الإسلامية والأسس والمبادئ العامة لعلاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين
قبل تبيان علاقة الدولة الإسلامية أو دار الإسلام بتعبير الفقهاء، مع غيرها من الدول أو الديار، وتكييف هذه العلاقة، وهل هي علاقة سلم وسلام، أم علاقة حرب حسب الأدلة التي يعضد بها كل فريق مما يذهب إليه؛ لابد من الوقوف على بعض الخصائص التي انفردت بها هذه الشريعة وهذا الدين عن غيرها من الشرائع الأخرى، وعلى بعض المبادئ والأسس التي تقوم عليها علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول المخالفة لها في المعتقد والشريعة.
❖ خصائص الشريعة الإسلامية والأسس والمبادئ العامة لعلاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين
لقد انفرد الدين الإسلامي بعدة خصائص تميزه عن غيره من الشرائع السماوية الأخرى، أو الأديان (إن جاز التعبير) لأن الدين واحد؛ لعموم قوله تعالى « إن الدين عند اللَّه الإسلام »، ولكون جميع الرسل بعثوا بتقرير توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة كما هو مؤكد في قوله « وماأرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنافاعبدون »، وبعدة مبادئ وأسس تؤطر علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من المخالفين، وتتجلى هذه الخواص في التالي ذكره.
• خاصية العالمية: وهي من الخصائص التي انفرد بها الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع الأخرى، إذ منذ اللحظة الأولى من ميلادها جاءت للعالمين من الخلق، إنسهم، وجنهم، أبيضهم وأسودهم، أحمرهم وأصفرهم، حرهم وعبدهم، غنيهم وفقيرهم، حاكمهم ومحكومهم، بل لكل الموجودات التي لا نفقه تسبيحها، » وهو ما عناه الدكتور يوسف القرضاوي بقوله « والشريعة الإسلامية شريعة إنسانية، عالمية، إنها ليست شريعة عربية، وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث بها عربيا، واللغة التي نزلت بها لغة العرب ».
إنها شريعة رب الناس، لكل الناس، نزل بها القرآن، الذي يقول منزله »تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا »، وقوله أيضا « قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ».
غير أن مفهوم عالمية هذا الدين، لا يعني إلغاء الآخرين المختلفين عنا في الشرائع الأخرى، بل يعني أن عالميته، دمجت بين الحضارات والأعراق،وثقافاتهم، في نسق إنساني موحد، منطلقه التوجيه الرباني « لا إكراه في الدين ».
ولقد أرسل الله سبحانه وتعالى قبل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عددا كبيرا من الرسل والأنبياء، إلا أن الذي ميز رسالتهم، هو طابعهاالإقليمي المحلي، في الزمان والمكان؛ لأنها تختص بجماعة من الناس،دون أخرى، وهو ما أكده الله تعالى بقوله « ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ». أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاءتللعالمين، والشواهد في القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، كلها تؤكد هذا الأمر وتدل عليه، كما في قوله تعالى » لقد أرسلنا نوحا إلى قومه »، وقوله تعالى في هود « وإلى عاد آخاهم هودا »، وقوله سبحانه وتعالى « وإلى ثمود أخاهم صالحا »، « وإلى مدين آخاهم شعيبا »، وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام « ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه »، وقوله تعالى « وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم »؛ فالله سبحانه وتعالى ربط في هذه الآيات، بين كل رسول والقوم الذي بعث فيهمخاصة، كما ربط بينهم وبين الأماكن التي بعثوا فيها؛ أما محمد عليه الصلاة والسلام فهو الرسول الوحيد الذي كانت رسالته عامة للبشر جميعا، ممتدة في الزمان والمكان؛ ولذلك يخاطبه الله في آيات كثيرةبقوله « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ». يقول الطبري في تفسيرهلهذه الآية: « يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي »، و عن ابن عباس في قول الله في كتابه « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتبت له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله، عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف ». يقول ابن كثير كذلك في معرض تفسيره لهذه الآية: « يخبر تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة ».
وقوله تعالى أيضا « وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا »، يقول الطبري في تفسير هذه الآية: « يا محمد ما أرسلناك إلى المشركين بالله من قومك بشكل مخصوص، ولكن أرسلناك للناس كافة أجمعين؛ عربهم وعجمهم، أحمرهم وأسودهم ».
ويزخر القرآن الكريم بالعديد من الآيات التي تعتبر من مؤيدات عالمية هذا الدين، ومن ذلك قوله تعالى » قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا »، وقوله سبحانه وتعالى « تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا »، وقوله عز من قائل « إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبـأه بعد حين »، وغير ذلك من الآيات التي تفيد هذا المعنى المتأصل في الشريعة الإسلامية.
ومما يؤيد عموم هذه الرسالة كذلك؛ هو الواقع العملي لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم يعرضرسالته على القبائل في مواسم الحج وغيرها، يدعوهم فيها إلى دين الله، و يبعث رسله إلى الملوك والأمراء، وزعماء القبائل يدعوهم فيها إلى الإسلام، كهرقل ملك الروم، وكسرى عظيم فارس، والنجاشي فيالحبشة، والمقوقس زعيم مصر، تنفيذا للأمر الإلهي « فاصدع بما تومر وأعرض عن المشركين » وقوله أيضا « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن اللَّه لا يهدي القوم الكافرين »؛ فكان القرآن الكريم دستور هذه الأمة، وكانت دعوته صلى الله عليه وسلم، دعوة خاتمة،ناسخة للدعوات السابقة، ورسالة مفتوحة إلى كل الأمم والأجيال، وليست رسالة مخصوصة لأهل زمان دون زمان، أو مكان دون آخر.
• خاصية الشمول والمرونة والثبات والسماحة والصلاحية لكل زمان ومكان
وهي خاصية تستفاد من منطوق بعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى » ما فرطنا في الكتاب من شيء »، وقوله عز من قائل « ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين »؛ وقد عبر الدكتور يوسف القرضاوي عن هذه الخاصية بقوله: « ومن خصائص القرآن الكريم كذلك: الشمولية، إذ جمع (القرآن الكريم) أصول الهداية الإلهية، والتوجيه الرباني، في العقائد والشعائر، وفي الآداب والأخلاق، كما جمع أصول التشريعات الإلهية في العبادات والمعاملات، وشؤون الأسرة، وعلاقات المجتمع الصغير والكبير، المحلي والدولي ». ومن خواصها كذلك:
• خاصية المرونة والثبات، والسماحة، والصلاحية لكل زمان ومكان: وهي من خواص هذه الشريعة التي جاءت لتنظيم علاقة المسلمين بربهم أولا، وببعضهم البعض ثانيا، أو علاقتهم بالآخرين ممن لم يعتنقوا دينهم؛ فكانت العلاقة مع الآخرين في منتهى الروعة، والكمال والجلال، في كافة شؤون الحياة، وفي مختلف الظروف والأحوال، سواء في حال الحرب، أو في حال السلم، وسواء كانوا أهل ذمة أو مستأمنين،أو معاهدين، أو حربيين أو مرتدين، نظمها تنظيما دقيقا من خلال مجموعة من الأسس والمبادئ العامة، الواضحة الجلية المستمدة من نصوص الوحي القرآن والسنة المطهرة كما سوف نرى في المطلب الذي سنفصل فيه في الآتي.
❖ المبادئ والأسس العامة لعلاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين
لما كان الدين الإسلامي خاتم الأديان السماوية؛ كان لزاما أن تكون تشريعاته شاملة لكل مجالات الحياة التي تخص الإنسان المستخلف في الأرض، وتيسر له سبل العيش والتعايش مع جميع من يشاركه المعتقد، ومن يخالفه فيها على حد سواء؛ ولذلك أولت تشريعاته أهمية كبرى لتنظيم علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول؛ حتى تستطيع أن تتعايش مع المجتمع الدولي الكبير الذي تعتبر حلقة من حلقاته الكبرى، وتقيم علاقاتها الخارجية مع من خالفها، إذ مهما كان مجتمعه الكبير الذي يعيش فيه؛ فلابد أن يحتاج لغيره وللآخر وإن اختلف عنه، خصوصا في زماننا المعاصر، الذي تطورت فيه أدوات وتقنيات ووسائطالتواصل والاتصال بين الأمم والشعوب.
فكان والحالة هذه، أن يبني علاقاته على مجموعة من المبادئ والأسس الكبرى التي توطد علاقاته، وتسير بها في منهج قويم، لتتحقق الأفضلية والخيرية التي وسم بها الله تعالى هذه الأمة، في قوله تعالى « كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر »، كما سنبين ونبسط الكلام فيها في التالي.
• مبدأ العدل
وهو مبدأ متأصل في الشريعة الإسلامية، والذي قبل التفصيل فيه، لابد أن نقف على مدلوله اللغوي والاصطلاحي؛ ليتحقق المطلوب الذي نحن بصدده.
العدل في اللغة: عرفه ابن منظور بقوله « هو الحكم بالحق، يقال: هويقضي بالحق ويعدل »، أما بن فارس فعرفه بقوله « والعدل: أصله التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل »،وأما صاحب القاموس المحيط فقد عرفه بالضد بقوله: « وإذا كان الظلم يعني وضع الشيء في غير موضعه، فإن العدل خلاف ذلك، فهو يعني وضع الشيء في موضعه، ويعني الإنصاف وإقامة الحق »، وهو ما أكده الجوهري في تعريفه بالضد كذلك بقوله: « العدل خلاف الجور »،و »العدالة والمعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة ».
ومما يرادف لفظ العدل؛ يقول الفيومي: » العدل هو: القسط والحق »، ومنه قوله تعالى « وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ».
العدل في الاصطلاح وإطلاقاته في الشريعة الإسلامية
إن الناظر لمفهوم العدل في إطلاقه الاصطلاحي؛ سيجد أن هناك تطابقاتاما بين المعني اللغوي والاصطلاحي، يقول الجرجاني « هو عبارة عن الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط. والعدل بمعنى: الاستقامةوالاعتدال، والميل إلى الحق » وقيل: « هو إعطاء الحق لصاحبه وهوالأصل للحقوق الراجحة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات »، وضروبه وأقسامه كثيرة ويمكن إجمالها في الإطلاقات الأربع:
الأول: وضع الأمور في مواضعها، أي مراعاة الاستحقاق،
الثاني: التوازن والتعادل،
الثالث: المساواة وعدم التفرقة، التي تعتبر من لوازم العدل،
الرابع: وإعطاء كل ذي حق حقه، من غير تفرقة بين المستحقين ».
ومن إطلاقات العدل في القرآن والسنة، قوله تعالى « يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين »، وهو أمر بالقسط أي العدل، والمراد: أي قول الحق والصدق ولو كان ضد أقرب المقربين للمرء.
ويقول الله تعالى أيضا في أمره بالعدل مع المخالفين « يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء لله بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى »، وهو ما أكده القرطبي رحمه الله في تفسيره «ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا » أي على ترك العدوان وإيثار العدوان على الحق، ودليل الآية أيضا، أنه يتوجب العدل ولو مع الكافر »، وهو ما أكده الله سبحانه وتعالى في قوله « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ».
فكان والحالة هذه، أننا مأمورون بالعدل، وقول الحق في كل حال، وفي جميع معاملاتنا وتصرفاتنا، ولو مع أعدائنا.
ومن إطلاقات العدل كذلك في القرآن الكريم: التوحيد كما في قوله تعالى « إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء القربى »؛ حيث يرى بعض المفسرين أن المراد بالعدل هنا التوحيد ».
وفي السنة النبوية: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال » إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما والوا ».
وغيرها من الإطلاقات المعززة بالنصوص القطعية من القرآن والسنة، والتي أمرت بالعدل في الحكم بين الناس، وفي القصاص، والكيل والميزان، وفي القول، وفي القيام لليتامى بالقسط، والعدل بين الزوجات،والعدل مع المخالفين لنا في العقيدة والشريعة، وهو ما أكده الدكتور محمد أبو زهرة بقوله « فمهما اختلف معنا الناس في العقيدة والعبادة؛فلابد أن نعدل بينهم ومعهم، ولا نظلمهم في حقوقهم، ولا يجوز أن نمكر بهم ونخدعهم إذا كان ثمة عهود ومواثيق » وهو ما سنراه في الفرعالتالي.
• مبدأ الوفاء بالعهود والمواثيق
وهو مبدأ متأصل في ديننا الحنيف، ومتفرع عن مبدأ العدل الذي فصلنا فيه سابقا، ولكي يتجلى المطلوب الذي نحن بصدده، سنقف على مدلوله اللغوي والاصطلاحي، وعلى مشروعيته من خلال القرآن والسنة التي تستمد منها الأوامر والنواهي والأحكام.
تعريف العهد والميثاق: يعرف العهد: بالوصية، يقال عهد إليه يعهد من باب تعب إذا أوصاه، وعهدت إليه بالأمر قدمته، وفي التنزيل « ألمأعهد إليكم يا بني آدم ».
والعهد: الأمان، ولذلك يقال: إن الحربي دخل بالأمان »، قال الجرجاني: العهد هو حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال ».
الميثاق: مفرد جمعه مواثيق، وهو العهد، بيني وبينه ميثاق »، قال تعالى«الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ». والميثاق: العهد، قال تعالى « وإذ أخذ الله ميثاق النبيين » أي أخذ العهد عليهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ».
والأدلة على مشروعيته من القرآن والسنة النبوية كثيرة منها قوله تعالى » وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم »، بمعنى أوفوا بعهد الله إذا وثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه »، وقوله تعالى « إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق » ففي هذه الآية بيان وتقرير بعقد المعاهدة والوفاء بها. وقوله تعالى « وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم »، وقوله أيضا « إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين »، وغيرها من الآيات التي تنظم علاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين في السلم والحرب.
وفي السنة النبوية: نجد أمثلة كثيرة تؤكد مشروعية الوفاء بالمعاهدات، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد مجموعة من المعاهدات بينه وبين مجموعة من الطوائف غير المسلمة في عصره، فكان وفيا بما عاهدهم عليه، كما هو الحال عندما عاهد اليهود على حسن الجوار،عندما استقر بالمدينة المنورة وهو ما يعرف بوثيقة المدينة، وهي المعاهدة التي تعد نبراسا للمسلمين في أصول العلاقات الدولية بينهم وبين من خالفهم، وكذلك صلح الحديبية، وحلف الفضول في الجاهلية، الذي قالفيه صلى الله عليه وسلم » لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ».
وكذلك معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار من المشركينوأهل الكتاب، ومن ذلك قول أنس بن مالك » أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما بسم الله الرحمن الرحيم، فلا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال: اكتب من محمد رسول الله، فقال: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك، واسم أبيك، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب من محمد بن عبد الله « واشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لن نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله، أتكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله »، وكذلك ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم، كما فعل حذيفة بن اليمان مع أهل فارس في معاهدته لهم التي جاء فيها « بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى حذيفة بن اليمان أهل ما دينار؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم لا يغيرون عن ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنفعة ما أدوا الجزية في كل سنة إلى ولي المسلمين، على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاعته؛ وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، ووقروا جنود المسلمين من مر بهم، فآوى إليهم يوما وليلة، ونصحوا، فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة ».
وغيرها من المعاهدات السياسية، والتجارية، والاقتصادية التي يزخر بها تاريخ الإسلام من عهد النبوة، مرورا بعهد الخلافة الراشدة، وصولا إلى غيرها من الدول التي تعاقبت على الحكم الإسلامي؛ والتي تجمع في مجملها على وجوب احترام العقود والمعاهدات باعتبارها مبدأ ساميا في الشريعة الإسلامية، مستمدا أصوله من السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم الذي حذر من الغدر، والخيانة مع المخالفين، بقوله « من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما ». قال ابن حجر معلقا على الحديث: المراد من به أو له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم ».
والشواهد كثيرة في الشريعة الإسلامية؛ والتي أمرت إلى احترام العهود مع الغير، سواء كانوا جماعات أو أفراد، ما لم يقم الطرف الآخر بنقضها والتراجع عليها، فآنئد يشرع نقضها معاملة بالمثل.
وهي مبادئ سامية، تمنع وقوع الفساد في الأرض، وأي فساد أكبر من الظلم ونقض العهود كما سوف نرى.
ثانيا: علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول.
قبل تبيان علاقة الدولة الإسلامية أو دار الإسلام بتعبير الفقهاء، مع غيرها من الدول أو الديار المخالفة، وما إن كانت هذه العلاقة مبنية على السلم أم الحرب؛ كان لزاما علينا أن نلقي نظرة سريعة على مفهوم العلاقات الدولية كما تواضع عليها فقهاء القانون الدولي وفقهاء الشريعة الإسلامية.
عرف فقهاء القانون، العلاقات الدولية بكونها « روابط اجتماعية بين الدول »، ومنهم من عرفها بقوله هي « الأسس التي تحكم العلاقات بين الدول المختلفة دينيا أو عرقيا أو إقليميا في حالات السلم والحرب ».
والناظر في تعريفات العلاقات الدولية عند فقهاء القانون، يلحظ أن ثمةبعض الاختلاف بينها، وذلك راجع إلى اختلاف وجهات النظر في العلاقات الدولية ككل، يقول الأستاذ عبد الواحد الناصر « لا يوجد تعريف واحد للعلاقات الدولية، فالتعريفات تختلف من واحد لآخر، بحيث لا يوجد اتفاق تام حول تحديد الإطار العام لدراسة العلاقات الدولية، وحول مكونات هذه العلاقات والأطراف الفاعلة فيها، والظواهر والعوامل التي يتعين تناولها بالدراسة، وانعدام الاتفاق على تعريف واحد للعلاقات الدولية، يعكس في الواقع تعدد طرائق فهمها، ووجود مداخل مختلفة لدراسة الظواهر التي تندرج في إطار ما يسمى بالعلاقات الدولية ».
أما علماء الإسلام قديما، فقد تناولوا الحديث عن العلاقات الدوليةبشكل آخر فيما يعرف بعلم السير، فعرفها الإمام السرخسي بقوله: »السير جمع سيرة، وبه سمي هذا الكتاب، لأنه بين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب، ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة، ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالإنكار بعد الإقرار، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين، وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين ».
واكتفى الكاساني في بدائع الصنائع بالقول: « السير جمع سيرة، والسيرة في اللغة ترد في معنيين: أحدهما: الطريقة، يقال: هما على سيرة واحدة، أي على طريقة واحدة.
والثاني: الهيأة: قال تعالى « سنعيدها سيرتها الأولى » أي: هيأتها، فاحتمل تسمية هذا الكتاب، كتاب السير؛ لما فيه من بيان طريق الغزاة وهيأتهم مما لهم وعليهم ».
إلا أن الناظر في هذين التعريفين، يجد أنهما يهتمان بأمور الغزو والحرب أكثر من أي شيء آخر؛ فعلم السير يبين « الطريقة والسلوك الإسلامي في نوع خاص من المعاملات »هو الغزو، وهو بهذا الاعتبار « مقارب لقانون النزاعات المسلحة، لأن ذلك ما يقتضيه العموم الذي يطبع صيغ تعريف العلماء السابقين لعلم السير »، « وبالرجوع إلى المبادئ التي يتضمنها قانون النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية، يمكننا أن نجزم بأن أهدافه ومبادئه أقرب إلى أهداف القانون الدولي الإنساني » بخصوصياته منها إلى قانون النزاعات المسلحة في عمومه ».
وإذا كان الأمر كذلك؛ فماهي علاقة دار الإسلام بدار الحرب بتعبير الفقهاء؟ وهل هذه العلاقة؛ هي علاقة حرب دائمة تقطعها فترات من السلم؟ أم أنها علاقة سلم دائمة لا تقطعها الحرب إلا دفاعا عن النفس؟
ومن تعريفات الفقهاء لدار الحرب: فقد اتفق الفقهاء على أن « دار المخالفين تسمى دار حرب، وأن كل دار دولة لم تخضع لسلطان المسلمين، أنها لا تكون دار إسلام؛ لذلك أوردوا لها عدة تعريفات تكاد تتطابق من حيث اللفظ، ومنها:
فقد عرفها الحنفية بكونها هي: « التي لم تظهر فيها أحكام الكفر »، وعرفها المالكية: « بأن دار الحرب التي لم تقم فيها شعائر الإسلام « . أماالشافعية: فقد عرفوها بأنها » كل بقعة تكون أحكام الكفر فيها ظاهرة »أو هي: » كـــل مـكـان يسكنه غير المسلمين، وليس فيه حكم إسلامي، ولم تظهر فيه أحكامه قط ».
وبالنظر للواقع الدولي المعاصر وبنظرة فقهية، فإن دار الحرب يمكن تعريفها « هي البلاد التي ليس فيها حكم أو ولاية إسلامية، ولا تسود فيها أحكام الشريعة أو بعضها، بل يصعب تصورها في وقتنا الحالي بفعل الهجرة واللجوء للمسلمين في بعض البلدان وإقامة شعائرهم بكل حرية.
ومن تعريفات الفقهاء لدار الإسلام: فهي عند جمهور الفقهاء » كل مكانتكون فيه أحكام الإسلام ظاهرة ».
وعند الأحناف: قال السرخسي » هي اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين، وتجري فيه أحكام الإسلام ويأمن فيه المسلمين ».
وعند المالكية: عرفها الدسوقي بقوله » هي التي تقام فيها شعائر الإسلام أو أكثرها حتى وإن كانت بيد الكفار ».
وعند الشافعية: « هي الدار التي يستوطنها المسلمون كملك لهم وإن كانمعهم فيها أهل ذمة، أو فتحها المسلمون وكانوا يسكنونها ثم أجلاهم الكافرون عنها ».
وعند الحنابلة: قال ابن القيم « هي التي سكنها المسلمون وطبقت فيهاأحكام الإسلام ».
وهناك من الفقهاء والباحثين المحدثين من عرفها بقولهم « ودار الإسلام هي البلاد التي فيها سيادة للمسلمين وتجري فيها أحكامهم وشعائرالإسلام ويأمن فيها المسلمون بمنعة ».
فهذا هو التقسيم الذي دأب عليه الفقهاء الأقدمون، عند تعرضهم للعلاقات بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى، لكن هذا التقسيم لم يكن بإطلاق ولم يدم طويلا، فما إن استقرت الدولة الإسلامية وتقوى عودها، أصبحت الحاجة ماسة إلى تقوية العلاقات بين المسلمين وغيرهم، فتم عقد المعاهدات مع البلدان التي ليس فيها ولاية للمسلمين، وأضاف الفقهاء صنفا أخرا من الديار، وأطلقوا عليها « دار العهد »؛ ودار بينهم خلاف كذلك، حول المعيار المعتمد حول دخول بلاد ما، تحت هذا المسمى أو خروجها منه؛ تبعا لاختلافهم حول الشروط التي تدخل في العهد الموثق للعلاقة بين الدولة الإسلامية والدولة المعاهدة.
وهناك من أضاف نوعا آخرا، أطلق عليه « دار البغي » والتي يمكنتعريفها بكونها » بقعة من دار الإسلام تحيز إليها جمع من المسلمين، لهم شوكة، خرجت عن الإمام بتأويل، ومنهم من أضاف تقسيما حديثا أطلق عليه؛ دار دعوة، ودار استجابة.
لكن السؤال الذي يطرح هنا: ما هو المعيار الذي عول عليه الفقهاء في هذا التقسيم؟
يقول القاضي أبو يوسف: « تعتبر الدار دار إسلام؛ بظهور أحكام الإسلام فيها، وإن كان جل أهلها من الكفار، وتعتبر الدار دار كفر،لظهور أحكام الكفر فيها، وإن كان جل أهلها من المـــسلمـــين »، أما الكاساني فقال: » لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإســـلام فيها ». أما ابن القاسم فقد قال في المدونة » وكانت الدار يومئذ دار حرب؛ لأن أحكام الجاهلية كــانــــــت ظاهرة يومئذ »، أما الشافعي فاعتبر أنه » إذا ظهر الإمام على بلاد أهل الحرب ونفى عنها أهلها، أو ظهر على بلاد وقهـــر أهلها، فقد أصبحتبلادا للمسلمين وملكا لهم ».
أما ابن حزم الظاهري فقال: » ودارهم (أي أهل الذمة ) دار إسلام، لا دار شرك، لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها ».
ومما يلاحظ؛ أن معيار هذا التقسيم عند بعض الفقهاء مرتبط بظهور الأحكام، بينما يـــرتبط عند آخرين بوجود السلطة وغلبتها على الدار.
والناظر في الواقع الحال؛ يجد أن هذين الأمرين متلازمين، فوجود السلطة من شأنه أن تسري أحكامها في البلد، ومن ذلك أمان المسلمين، وحمايتهم من الاعتداء، وتمكينهم من إقامة شـــعـــــائــر الإسلام.
ومهما يكن فإن » التمييز بين دار الحرب وغيرها؛ يركز على عنصر الحكم والمنعة، فحيثما يكون حكم السلطان ومنعته تعتبر « دار إسلام »، وحين يكونان لغير المسلمين تكون « دار حرب ».
❖ الرأي القائل بأن الأصل في علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من المخالفين هي الحرب
« لقد عرفت البشرية عبر مر عصورها حروبا ونزاعات لا تعد ولا تحصى، واكتوى بنارها الصغير قبل الكبير؛ فكانت بحق وبالا على البشرية، حتى أن مؤرخي التاريخ أحصوا أنه على مدار أكثر من ثلاثة آلاف سنة الأخيرة من حياة البشر، لم تنعم البشرية إلا بمئتي وخمسين عاما من السلام… وأنه خلال خمسة وثمانين جيلا، لم ينعم منهم بسلم مؤقت إلا عشرة أجيال فقط »؛ وهو ما يبين أن الحرب والصراع سنة كونية في البشر تمليها المصالح والأهواء، منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل.
وتختلف الحروب « باختلاف طبيعتها، ومجالاتها، وأسبابها، ومن حيث الوسائل المستعملة فيها إلى ما يلي:
– الحروب العادلة والحروب غير العادلة: فمن الباحثين من ينظر للحرب نظرة أخلاقية فلسفية ويشجب الحرب كظاهرة، ويرفض الأخذ بأنها أمر لابد منه، في حين يعتبرها البعض الآخر أمر لابد منه، كتحقيق الاستقلال الوطني، وهو صنف يتطابق من حروب حركات التحرر من الاستعمار.
– الحروب الإقليمية أو المحلية أو العالمية: وهو تصنيف وفق المجالالجغرافي الذي تدور أحداثه عليه، وبتالي تكون الحرب؛ إما محلية أو إقليمية، أو عالمية تشتبك فيها العديد من الدول كالحرب العالمية الأولىلعام 1914 والحرب العالمية الثانية لسنة 1945.
– الحروب الدفاعية والحروب الهجومية: ووفق هذا التصنيف فالحرب الدفاعية: هي الحرب التي تدافع فيها الشعوب عن مصالحها في وجه هجوم تشنه جبهات طامعة وتوسعية تسعى لاستثمار ميزات القوة لديها.
ويمكن أن تكون حرب الدفاع عن النفس، حربا هجومية؛ أي أنها تأخذ المبادأة في الهجوم عندما تتعرض دولة إلى التهديدات، وفق منطق « أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم.
– الحروب التقليدية والحروب النووية: ووفق هذا التصنيف فإن الحروب التقليدية: هي التي تستخدم فيها الأسلحة التقليدية والخفيفة كالسيوف والخناجر، والمدافع، والقنابل العادية والرصاص… أما النوع الثانيمنها: فهو الذي تجند فيها القوة التدميرية وتصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل والتي تحاول الدول حظر استعمالها بأنواعها الثلاث البيولوجية، الكيماوية، النووية الذرية »، وهي التي عليها مدار حديثنا في هذه الرسالة.
وإذا كانت الحرب ظاهرة كونية فكيف ينظر في الفقه الإسلامي إليها؟وماهي علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من المخالفين؟
إن الاتجاه القائل بأن الحرب هي الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم، ينطلق في تقريره لهذه القاعدة من واقع « أن الإسلام هو خاتم الأديان وأشملها وأعمها، وبالتالي تكون الدعوة له واجبة على الدوام، حتى يعتنقه من يشاء متى شاء بدون ضغط أو إكراه أو فتنة، والدعوة حسب هذا الاتجاه تتم بشكلين:
ــ الدعوة بالبيان: عن طريق النصح لهم والإرشاد والترغيب بالدخول في دين الله لما في ذلك من منافع في الدنيا والآخرة.
ــ الدعوة بالسنان: بقتال كل من يقف في وجه الدعوة أو يعارضها ولا يرضى الانصياع لحكم الله ».عبر «الجهاد الذي لم يشرع عبثا، ولم يشرع لتحقيق مصالح شخصية، أو لكسب مطامع مادية، بل ولم يكن تشريعه من أجل إزهاق نفوس البشر وسفك دمائهم، أو إبادة جنس الكفار » وإنما لتحقيق جملة من المقاصد والغايات يمكن إجمالها في:
– أنه شرع من أجل إعلاء كلمة الله وبسط شرعه ورفع منارة الإسلام كما قال تعالى « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله » وقوله تعالى أيضا «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهرهعلى الدين كله ولو كره المشركون »، وبذلك يتحصل أن دين الله تعالى لابد أن يعلو وأن يكون عزيزا لا ذليلا، ذلك أن الجهاد يعتبر « فرضا دائما لا يحل تركه ولا التقاعس عنه، بأمان ولا موادعة، إلا لغرض الاستعداد كما في حالة ضعف المسلمين وقوة عدوهم، والدعوة دعوتان؛ دعوة باللسان، ودعوة بالسنان، فمن بلغته دعوة الإسلام ولم يستجب لها، ووقف في وجهها، وجب دعوته بالسيف وقتاله »، »ويلحق بهم كذلك من يطلب منه إعطاء الجزية فيرفض، فإنه بهذا الرفض قد استعلى على المسلمين، وتركهم على هذا الوضع يقتضي بقاء كلمة الكفار عالية، وذلك ما لا يتفق ومقصود الشارع من تشريع الجهاد، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ».
– وشرع أيضا لدرء الفتنة في الدين ومحوها، فإذا وجدت دولة أو قوة كافرة تصد عن دين الله وتفتنهم فيه، إما عن طريق قوة مادية، أو قوة معنوية – ومنها ما يسمى الآن بالغزو الفكري- فحينئذ يأتي دور الجهاد في سبيل الله ليزيل هذه العقبات، وهذا واضح من الآية السابقة «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ».
– وشرع لنصرة المستضعفين: وهم الأقليات المسلمة التي تعيش مكرهة في ديار الكفار الذين يتلقون ألوانا من الاضطهاد كما جاء في قوله تعالى «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ِوالولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ».
– وشرع من أجل تأديب المتمردين المتلاعبين بأحكام الإسلام ومبادئه العامة الذين يستغلون سماحة الإسلام وأهله، وذلك مثل الكفار الناكثين للعهود «وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر »
– وكذلك من كان بينه وبين المسلمين عهد، وخاف منه المسلمون حربا، فعند ذلك ينبذ إليه العهد الرابط ويكشف له حقيقة الأمر ثم يقاتل « وإما تخافن من قوم خيانة فَأنبذ إليهم على سواء إِنَّ اللَّه لا يحبالخائنين ».
– وكذلك مثل المرتدين عن أحكام الإسلام، فيقاتلون على ردتهم حتى يسلموا أو تنكسر شوكتم، مثل ما فعله الخليفة أبو بكر الصديق الله باستشارة مع الصحابة.
– وكذلك أصحاب البغي من المسلمين الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل فيقاتلون أيضا حتى تذهب ريحهم « فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيءَ إلى أمر اللَّهِ »، ويقاس عليهم كل جماعة من المسلمين اتفقت على ارتكاب محظور أو ترك واجب وتواطأت على ذلك؛ فيقاتلون أيضا حتى يستقيموا « .
– بالإضافة إلى مشروعيته الدفاع عن النفس والعرض والأوطان والأموال » أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن اللَّه على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنااللَّه ».
وإذا كان الأمر كذلك فهل يفهم من هذه الغايات والمقاصد أن الجهاد منطلقه دفاعي أم هجومي؟
إن وصف الجهاد بأنه دفاعي أو هجومي لا يعبر عن كنه الجهادومقاصده السامية، فهو ليس هجوميا بالمعنى الاصطلاحي للهجوم، وهو شن الغارات بدون مقدمات وقتل النفوس وإفساد الممتلكات بدون قيود، وهو كذلك ليس دفاعيا بالمعنى الاصطلاحي للدفاع، وهو الدفاع عن الأوطان فقط دون أن يتجاوز الجيش المسلم حدود أرضه لتبليغ هذه الدعوة الربانية، كلا ليس الجهاد بهذا المعنى ولا بذاك، « بل هو الدعوة إلى الله، وإعلاء كلمته وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، بحيث يسلم الناس أو يخضعون للمسلمين بدفع الجزية أو يسالمون ويهادنون، ومن رفع هامته وأنف من ذلك جوه » يقول الماوردي.
تلك مجمل الأسباب والمقاصد التي شرع الجهاد من أجلها، أما الكفر وحده، فقد اختلف أهل العلم في كونه سببا للقتال؟
فقيل « نعم يكون سببا، بل هو السبب الأصلي والحقيقي في القتال، وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي، وهو ما يفهم من نصوص كثير من الفقهاء، من المالكية، والحنابلة، وغيرهم.
ثم اختلف هؤلاء هل الكفر سبب مبيح للقتال أو موجب له؟ فقال الشافعية: إنه موجب »، فيما يرى الحنابلة أنه مبيح، لا موجب ».
وقيل إن الكفر وحده ليس سببا في القتال، إلا إذا كان معه محاربة ومقاتلة من الكفار، أي أن القتال سببه المحاربة، وبه قال الحنفية »، وهو ما ذهب إليه جمهور الباحثين من الفقهاء المعاصرين ».
ولقد ساق أصحاب هذا الاتجاه الكثير من الأدلة القرآنية والحديثية المعززة لما ذهبوا إليه من قول بخصوص تحديد طبيعة علاقة المسلمين مع غيرهم وبكونها هي علاقة حرب.
ــ من القرآن الكريم: قوله تعالى « وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة » « حيث أمر بقتال كافة المشركين، ووجوب اجتماع المسلمين على قتالهم باعتبار كلمة كافة تفيد حالا ». كما قال بذلك الجصاص.
– وقوله تعالى » وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا »وهو ما يؤكد عالمية هذه الرسالة والدعوة إليها، « فكافة تستوعب الناس والبشر جميعا من شتى الألوان، والأعراق، والبقاع ».
– وقوله تعالى « فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كُل مرصدفإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إِن الله غفور رحيم ».
– وقوله تعالى « قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ».
ــ وقوله تعالى » كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون »، وقوله تعالى » واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم »، وقوله تعالى » إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا »، وغيرها من الآيات التي ساقها أصحاب هذا الرأي، والتي يذهبون فيها إلى القول: بكون أن آخر ما نزل من القرآن الكريم بخصوص علاقة المسلمين بغيرهم، هي الآيات الآمرة بالقتال، مما يدل على أن الأصل في هذه العلاقة هو الحرب، أما السلم فلا يتم إلا بسبب هدنة أو صلح أو عقد ذمة أو نحوها؛ وقد عزز أصحاب هذا الاتجاه، بما ثبت في السنة النبوية من أحاديث تشير إلى مقاتلة أهل الكفر حتى يدخلوا في دين الإسلام.
وخلاصة القول فيما يخص هذا الاتجاه الذي يقرر أن علاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول هي علاقة حرب لا سلام إلا بشروط؛ أنه يذهب في سياق تعزيز وتأكيد أن الحرب قاعدة مؤسسة للعلاقات بين المسلمين وغيرهم، لأن آية السيف، نسخت آية « لا إكراه في الدين »، كما أنها نسخت كل صفح أو عفو، فقد ورد في الإتقان في علوم القرآن للسيوطي قول ابن العربي: » كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم نسخ بآية السيف، وهي: » فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين » الآية نسخت مائة وأربعة وعشرين آية ثم نسخ آخرها أولها ».
وأما من السنة النبوية: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله » »ووجه الدلالة هنا أن معركة الإسلام مع الكفر مفروضة علينا فرضا وهو صراع وجود لا خيار لأمة فيه، كما أن فكرة الإسلام من حقها أن تنشر دون عوائق؛ كونها من عند الله، ولا يجوز وضعها داخل حدود جغرافية معينة بل يجب إتاحتها لكافة البشر بحرية ودون عوائق »؛ « فدل الحديث بعمومه على أن الغاية من القتال هي أن يكون الدين كله لله، وذلك بدخول الناس في دين الله، إلا أنه قد جاء ما يدل من الكتاب والسنة على اعتبار غاية أخرى تمنع القتال وهي دفع الجزية »، واستدلوا كذلك بحديث: »بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم ». وما رواه أبو داود في سننه » الجهاد ماض منذ بعثني الله ».
هذه إذن الأدلة النقلية التي استند عليها أصحاب هذا الاتجاه لتبرير ما ذهبوا إليه، وأما الأدلة من الواقع العملي التي استند عليها هذا الفريق »أن عصر الفتوحات يثبت صحة ما ذهب إليه هؤلاء، حيث إن الخلفاء الراشدين سيروا الجيوش الإسلامية لفتح البلاد المجاورة مثل الشام والعراق ومصر وشمال إفريقيا لا سبيل الدفاع وإنما على سبيل مد حدود الدعوة الإسلامية وحمايتها ».
مناقشة أدلة هذا الفريق: إن ما ساقه أصحاب هذا الاتجاه يجعلنا نطرح التساؤلات التالية:
– أليس دفع الكفار إلى الإسلام بالقوة فيه إكراه؟ ثم إن استجابة أمة كاملة من الناس يكاد يكون متعذرا، فكيف ستسلم دولة أو مجموعة منهادفعة واحدة؟ وحتى إن حصل فسيكون إسلامهم إجباري وسيجعل معظمهم زنادقة ومنافقين.
– « ثم إن عالمية الدعوة الإسلامية لا تعني فرض الدين الإسلامي على الناس قهرا، حتى يكون هو الدين الوحيد على سطح الأرض »، ويتناقض مع قوله تعالى «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين »، والتبليغ يكون من خلال التبشير، والإنذار، يقول تعالى » وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين »، « والسلم هو الوقت المناسب والأمثل لتبليغ الدعوة ».
– ثم إن الدعوة بالسنان والسيف يتعارض مع التوجيه القرآني « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن »، كما يتعارض مع وجوب الإيمان المبني على التفكير والتدبر بعيدا عن التهديد « لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي »؛ فالآية تنفي أن يكون القهر والإكراه من طرق الدعوة إلى الله، فأساس الدين الإقناع، والعنف يدعو إلى الإعراض؛ فكيف يستدل به على أن أصل العلاقة مع المخالفين هي الحرب؟ إلا إذا كانت لأجل منحهم الفرصة للاطلاع على تعاليم الدين الإسلامي، وذلك متاح في زماننا دون الحاجة لخوض الحروب.
وقوله تعالى « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم »فتشير الآية إلى وحدة أصل الجنس البشري وتدعو إلى التعارف الذي يؤسس لمبدأ التعايش الذي لا يتم إلا في ظل السلم والتعاون والتكامل في إطار العلاقات الدولية التي تقتضيها قواعد العدل الإنساني من عدل ومساواة ووفاء بالعهود.
وقوله تعالى « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن » وقوله تعالى » وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ».
وأما قوله تعالى « إذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كُل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إِن الله غفور رحيم » فالآية تدل على الأمر المباشر بقتل المشركين بعد انتهاء المهلة لمجرد شركهم وإن لم يعتدوا ».
وأما حديث « الجهاد ماض »؛ فهو لا يدل بالضرورة على نهج سبيل الحرب مطلقا، فقد وردت أحاديث تشير إلى غير ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: « أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية ».
إلى غير ذلك من الأدلة العقلية والنقلية التي تؤكد ما ذهبنا إليه، والتي سنفصل فيها بشكل دقيق في المطلب التالي.
المطلب الثاني: الرأي القائل بأن الأصل في علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من المخالفين هو السلام
السلام في اللغة: يرجع إلى معان متعددة متنوعة، إلا أن الغالب فيهثلاثة معان فقط، وهي:
السلامة: فقد جاء في العين: « ورجل سليم أي سالم، وقد سلم سلامة، وقول الناس السلام عليكم أي السلامة من الله عليكم ».
وهو نفس المعنى الذي قرره ابن فارس في مقاييس اللغة فقال: « سلم: السين واللام والميم، معظم بابه من الصحة والعافية… فالسلامة أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى. قال أهل العلم الله جل ثناؤه هو السلام لسلامته مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص والفناء ».
فالسلام في الأصل السلامة، وقيل للجنة دار السلام؛ لأنها دار السلامة من الآفات. والسلامة: البراءة، يقال: تسلم منه تبرأ، وقال ابن الأعرابي: السلامة العافية. وسلم فلان بالكسر سلامة نجا من المكروه وسلمه الله منه.
وجاء في أساس البلاغة للزمخشري: «سلم من المرض برئ منه ».
فالسلامة إذن، هي المعافاة من كل ما من شأنه أن يضر؛ من الآفة والمرض، والمكروه والبلاء والعاهة، وغير ذلك من الأمور المضرة. وهي على هذا الأساس، ترجع إلى الصحة والعافية والنجاة.
المسالمة: يقول الدكتور إدريس الفاسي الفهري: «ومن معنى الصحة في الأبدان والأشياء وصلاحها تسمى العلاقة السلمية بين الناس « سلاما » و »سلم « بمعنى: صحة العلاقة وصلاحها ».
والأصل في السلم حسب هذا المعنى، أن يأتي بصيغة تفيد الاشتراك في الفعل؛ كمُفَاعلة: مُسَالمة، وتفاعل: تسالم، وفاعل: سالم. « والواقع أن تعبير لفظ « السلم «على نوع من العلاقة بين الناس بغير الصيغة الصرفية للمشاركة، راجع لكونه مستغنيا بما يقتضيه معناه من المشاركة عن التخصيص اللفظي لاقتضائها.
هذا بالإضافة إلى أن لفظ « السلم » يأتي كذلك بصيغ المشاركة، فهو واحد ضمن مجموعة من المشتقات تدل على نفس المعنى »، وفي هذا السياق يقول ابن فارس: » والسلام المُسالمة، وفعال تجيء في المفاعلة كثيرا نحو القتال والمقاتلة »، وجاء في مختار الصحاح: «التسالمالتصالح والمسالمة المصالحة ». ويرجع إدريس الفاسي الفهري اتحاد معنى السلم (بالرغم من تعدد صيغه الاشتقاقية)، إلى ارتباطه الشديد بأضداده على وجه من الاتباع اللفظي لها؛ فالسلم ضد الحرب، والسلام ضد القتال والخصام والنزاع، والتسالم ضد التحارب والتخاصم، والمسالمة ضد المحاربة والمنازعة والمقاتلة ».
الإسلام: والمعنى الثالث للفظ السلام، « الذي يدل على الدين الذي جاء به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. والمؤمنون برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام سموا بالمسلمين، قال تعالى « ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين »، فأساس هذا الدين وجوهره الانقياد والاستسلام لرب العالمين، قال تعالى » بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون »، وقال سبحانه »إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين »، « فالإسلام الاستسلام لأمر الله تعالى، وهو الانقياد لطاعته والقبول لأمره »، وفي مختار الصحاح: » أسلم أمره إلى الله أي سلم، وأسلم دخل في السلم بفتحتين، وهو الاستسلام و أسلم من الإسلام و استسلم أي انقاد »،وفي السياق ذاته يقول مصطفى السباعي: » أما الإسلام فأول ما يلاحظ فيه اشتقاق اسمه من مادة « السلام »، والإسلام والسلام من مادة واحدة، وليس الإسلام إلا خضوع القلب والروح والجسم لنظام الحق والخير، واستسلام المسلم لمالك الأمر في الدنيا والآخرة لله رب العالمين ».
فالذي يلاحظ من خلال بيان هذه الألفاظ الثلاث، هو أن السلام في حقيقة الأمر يدخل في جميع الأمور المتعلقة بحياة الإنسان، في علاقته مع ذاته ومع ربه ومع الآخرين؛ ففي علاقته مع ذاته، يراد به –أي السلام- سلامة الإنسان من كل ما من شأنه أن يضر به وبصحته؛ بأن يكون معافى من الآفة والمرض، والمكروه والبلاء والعاهة، وغير ذلك من الأمور المضرة، وفي علاقته بالآخرين يراد به سلامة العلاقة بينه وبين الآخرين؛ بأن تكون علاقة صحيحة صالحة، أما في علاقته بربه ورب الناس أجمعين، فيراد به سلامة الإنسان من معصية الخالق، واستسلامه وخضوعه بالقلب والجوارح إلى أمر الله عز وجل، حتى تكون علاقته بربه عز وجل علاقة صحيحة سليمة، ويكون معافى من مرض المعصية وينجو بذلك من أشد العقاب.
وإذا كان السلام في الاستعمال اللغوي يدور حول معاني الصحة والمعافاة والنجاة، والصلاح والاستسلام والخضوع، فإلى أي حد تحضر هذه المعاني عند الوقوف في الاستعمال القرآني للسلام؟
❖ الرأي القائل بأن الأصل هو السلام
لقد ذهب الكثير من العلماء وفقهاء السير إلى اعتبار أن أصل العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول المخالفة هي علاقة سلم وسلام، لا علاقة حرب واصطدام، فكيف ذلك؟ وهي الأدلة والحجج والبراهين التي استند إليها هؤلاء؟
لقد ذهب جمهور الفقهاء القدامى ونفر كبير من الكتاب والباحثين المسلمين المعاصرين إلى اعتبار «الدين الإسلامي كما يظهر من تسميه، هو دين سلام لا دين حرب »، وأن الحرب والقتال أمر طارئ على البشرية ، لا يلجأ إليه إلا للدفاع عن المسلمين حينما يكون هناك اعتداء عليهم، أو إيذاء أو ظلم لهم، أو فتنة لهم عن دينهم، ومتى كان الكفار مسالمين تاركين الدعوة الإسلامية وشأنها فإنه لا يحل قتالهم لمجرد المخالفة في دين أو للغلبة، فالجهاد إنما شرع لحماية المسلمين وديارهم ودعوتهم، وإلا فالسلم هو الأصل في العلاقات بين الناس وهــــو مفهوم من روح التشريع ومقاصــده النبيلة ».
وقد تبــع هؤلاء كثير من الباحثين المعاصرين من الفقهـــاء وأهل القانون الوضعي وقالوا « أن الأصل في العلاقات بين المسلمين هو السلم، وأن ذلك هو رأي الجمهرة العظمى من الفقهاء، والقلة التي خالفت ما كان نظرها إلى الأصل بل نظرها إلى الواقع، وكان ما قررته حكما زمنيا، وليس أصلا دينيا، وأن تسمية دار المخالفين دار حرب لا يمنع من أن الأصل هو السلم ».
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن « إذا أردنا أن نجمل تعليمات الإسلام في معاملة المخالفين له ــ في ضوء ما يحل ويحرم ــ فحسبنا آيتان من كتاب الله، جديرتان أن تكونا دستورا جامعا في هذا الشأن وهما قوله تعالى » لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أنتولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون »، فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا، ولو كانوا كافرين بدينه ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته ويضطهدوا أهله ».
فأصحاب هذا الاتجاه يرون أن العلاقة بين دار الإسلام وغيرها من الديار الأخرى؛ هي علاقة سلم، ولا تأتي الحرب إلا استثناء من القاعدة المذكورة، وأن الحرب الدفاعية هي الحرب المشروعة في الإسلام، فيما تعتبر الحرب الهجومية حرب عدوانية، لا يجوز اللجوء إليها إلا إذا بدأت هذه الأمم الحرب أولا، واستدلوا على ذلك ب:
ـــ من القرآن الكريم: هناك العديد من الآيات التي تأمر بالجنوح إلى السلام، وعدم محاربة الآخرين، إلا في حالة الدفاع عن النفس أو الدين أو غيرها من الضروريات المقررة في الشريعة، ومن الآيات الكريمة التي تدل دلالة واضحة على هذا الأمر، والتي يدخل بعضها في مجال الدعوة إلى السلم، والبعض الأخر يدخل في مجال تسويغ القتال الدفاعي ما يلي:
قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ».
وقوله تعالى » وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم »، وقد قيل إن الآية منسوخة بقوله تعالى » فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم » إلا أن الإمام الطبري وغيره من المفسرين ضعفوا هذا الرأي ».
وقوله تعالى « ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مومنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة »، وقوله أيضا « فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ».
ومن الآيات القرآنية التي تعزز معنى السلام في الإسلام قوله تعالى »لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ».
ـومن الآيات التي تنسجم مع هذا المقام، قوله تعالى » لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي »، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: » أي: لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحدا على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مكسورا، وقد ذكروا أن الآية نزلت في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما » .
ومما يعزز ويقوي ما جاءت به هذه الآية، قوله تعالى » لست عليهم بمسيطر »، وقوله عز من قائل « ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين »؛ يقول ابن كثير في تفسيره: » أي: تلزمهم حتى يكونوا مؤمنين، فليس ذلك عليك ولا إليك، بل إلى الله »؛ « مما يدل على أن القتال لم يشرع لإدخال الناس في الدين كرها، وذلك ما يفيد أن السلم هي الأصل لا الحرب » .
فمجموع هذه الآيات هي على سبيل الذكر لا الحصر والتي تبلغ مائة أية، تفيد بشكل واضح بين أن الأصل العام في الإسلام هو السلام، وأنه ليس من دين الإسلام وشريعته، إكراه أحد بقوة السيف على الدخول فيه واعتناقه والإيمان به والتزام أحكامه.
ــ ومن السنة النبوية القولية: قول النبي صلى الله عليه وسلم: » أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية »، وقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا « .
ــ وفي مجال السنة الفعلية: يمكن القول « بأن النبي صلى الله عليه وسلم ظل ثلاثة عشرة سنة في مكة يقاوم المشركين سلما بدون أن يحمل السلاح عليهم أو يشن ضدهم أي هجوم، وكان يقول لصحابته لما يتساءلون عن سبب ذلك: « لم أؤمر بقتال » وعندما انتقل إلى المدينة وسمح للمسلمين، بوحي من ربه، أن يحملوا السلاح ضد المشركين العرب وجيران الدولة الإسلامية من غير العرب، سمح لهم بذلك دفاعا عن أنفسهم أو دفاعا عن الدعوة الإسلامية فحسب.
وهكذا يمكن القول إن الغزوات التي جرت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ضد مشركي العرب، مثل هوازن وثقيف كانت جميعا من قبيل الحروب الدفاعية ».
ومن كلام العلماء الدال على أن الواجب على الأمراء والملوك من أهل الإسلام في معاملتهم لغيرهم هو الأخذ بأصل السلام، قول المرادي: « للملك أن يبدأ عدوه باللين، والمسالمة، والبذل وطلب المواصلة، والسكون، ولا يصل معه إلى الحرب حتى تعو الحيل كلها، فإن الحكماء قد قالوا: أكيس القوم من لم يلتمس الأمر بالقتال ما وجد إلى غيره سبيلا؛ ولأن الحرب ينفق فيها من الأعمار، وغيرها ينفق فيها من الأموال… واعلم أن الصلح أحد الحروب التي يدفع بها الأعداء عن المضرة ».
كما أن هناك جملة من القواعد الفقهية التي تؤيد وتؤكد هذا الأصل منها:
– الأصل في الدماء الحظر إلا بيقين الإباحة؛ فالإسلام لا يبيح الدماء سواء للكفار فضلا عن المسلمين قد منع من إراقة الدماء في الشبهة إلا بيقين اقتضته الضرورة إلى ذلك.
– والضرورة تقدر بقدرها؛ فالمعني إذا زالت الضرورة التي من أجلها أبيح الدم كالدفاع عن النفس والأهل والمال عند الاعتداء فيتوقف دون المجاوزة، ومعنى هذه القاعدة أن كل ما أبيح للضرورة من فعل أو ترك فإنما يباح بالقدر الذي يدفع الضرورة والأذى دون ما عدا ذلك.
– والأصل في الأشياء الإباحة؛ ومعنى الإباحة: رفع المؤاخذة لا الضمان ودليل هذه القواعد قوله تعالى » فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ».
ومن خلال ما سبق وتقرر، نقول:
إن النقول التي استند عليها أصحاب هذا الاتجاه، تدل صراحة على أن الأصل في الشريعة هو السلم، وأن الحرب استثناء لا مسوغ للخوض فيها، إلا بمجموعة من الشروط، والتي إن تضافرت في مجملها، أصبحت الحرب قاعدة والسلم استثناء، واستسلام نهى الله عنه وذم الراكنين إليه.
وبين هذين النقيضين، برز اتجاه أخر يوفق بين الرأيين السابقين وهو » رأي الإمام أبي حنيفة وبعض الأئمة الزيديين، ويميز أصحاب هذين الرأيين بين ما إن كانت هناك حدود مشتركة لدار الحرب مع دار الإسلام أم لا؟ فإذا لم تكن هناك حدود مشتركة بين الدارين؛ تكون العلاقة بينهما علاقة حرب حتى تقطعها مهادنة، لأنه لا يمكن أن يأمن جانب دار الحرب إذا كانت ملاصقة لدار الإسلام، وأما إذا لم تكن هناك حدود مشتركة بين الدارين، أو كانت الحدود بينهما بحارا واسعة أو صحاريومفازات شاسعة، فتكون العلاقة بينهما مبدئيا علاقة سلم، إلا إذا شنت الدار الأخرى عدوانا على دار الإسلام، أو كانت تتهيأ بشكل أكيد، أو ساءت معاملة المسلمين الموجودين فيها بحيث لم يعد المسلم آمنا على دينه ونفسه وعرضه وماله فوق أراضيها ».
إلا أن هذا الرأي في وقتنا الحالي يصعب أن نتصوره تصورا شاملا على أرض الواقع، نظرا للطبيعة المعقدة التي أصبحت تربط الدول فيما بينها ككيانات واتحادات، أو ما يربطها من المعاهدات والاتفاقيات، بحيث إذا ما تعرضت « دولة ما » لهجوم أو اعتداء، فكأنما تعرضت له جميع الدول المتحالفة معها وإن كانت تفصل بينهما المسافات الطويلة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإنه موقف ورأي، يتماشى والقانون الدولي المعاصر، الذي يضفي المشروعية على الحرب الوقائية، عكس الحرب العدوانية التي يمنعها الإسلام والقانون الدولي المعاصر في آن واحد.
واعتبارا لما سبق نقول: إن العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب بتعبير الفقهاء، أو علاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول المخالفة لها في الحكم والنفوذ والسلطة هي:
علاقة سلم وسلام دائمين، لطالما لم تنتف الشروط السابقة، وعلى رأسهاشرط:
انتهاك حرمتها ومحاولة احتلال أرضها وشعبها، أو تعريض مصالحها القومية والاستراتيجية العليا للخطر، فآنئد يشرع لها أن تباشر معها المفاوضات السلمية لكفها عن ذلك، وإلا جاز لها أن تحمل السلاح في وجها وتواجهها بالسلاح ردا لكل اعتداء، ومتى تحقق شرط دحرها خارج حدودها، يجب التوقف عن محاربتها وسفك دماء جنودها.
أما مسألة نشر الدعوة التي اعتبرها بعض الفقهاء سببا للغزو، لكييصل هذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ فقد كان له ما يبرره في القرون الأولى عندما كانت الدعوة لا يمكنها أن تبلغ إلا بالفتوحات الميدانية؛ أما وإن أصبح العالم قرية صغيرة، وتطورت وسائل الاتصال والتواصل والبحث وبجميع اللغات عن بعد، وبكبسة زر من غير مشقة، فإنني أراه متجاوزا الآن، وأصبحت ساحة معركته؛ هي التدافع في تبيان دعوة الحق بالقلم والكلمة، وإبراز معالم نبل هذه الرسالة السمحة، ليدخلها من شاء، متى شاء، عن قناعة وبينة، ومن غير إراقة نقطة دم، وهي أفضل طريقة، ورأس سنام الجهاد في وقتنا الحالي.
لائحة المصادر والمراجع:
∗ القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
∗ – إبراهيم حسين الشاذلي المعروف بالسيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، مصر.
∗ – ابن تيمية: الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول، مكتبة التبيان، دار ابن الجوزي، القاهرة، 1995.
∗ – ابن فارس: مقاييس اللغة، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1979م.
∗ – ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، طبعة 1994.
∗ – أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري: الجهاد في سبيل الله، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م.
∗ – أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني (ت503هـ): معجم مفردات القرآن، ضبطه وصححه وخرج آياته وشواهده: إبراهيم شمس الدين، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1997م.
∗ – أبو القاسم محمود الزمخشري: أساس البلاغة، دار الفكر، طبعة 1979م.
∗ – أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر، بدون طبعة.
∗ – أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري الجعفي: صحيح البخاري تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1414هـ/1994م.
∗ – أحمد علي الإمام: العدل في الإسلام، دار الحصاد للنشر والتوزيع، طبعة 1988.
∗ – الجصاص: أحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ.
∗ – الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1990.
∗ – الحيدر أبادي، محمد حميد الله، الهندي: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس، بيروت، الطبعة السادسة 1407.
∗ – سعيد الصواغي: القرآن الكريم واستشراف القيم الإنسانية «قيمة العدل أنموذجا « مجلة وحدة الأمة، العدد الأول، يونيو 2011.
∗ – سعيد جويلي: المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، القاهرة، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى 2003.
∗ – عارف خليل أبو عيد: العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن طبعة 2007.
∗ – عبد الله بن صالح بن حسين العلي: الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي المقارن، جامعة أم القرى بمكة المكرمة، عام 1405- 1406هـ.
∗ – فيصل مولوي: المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب، مركز الإعلام العربي للنشر 1999.
∗ – كامل الخزرجي: العلاقات السياسية الدولية واستراتيجية الأزمات، الأردن، دار مجدلاوي، الطبعة الأولى2005
∗ – ينظر: الأفعال لأبي القاسم علي بن جعفر السعدي، عالم الكتب بيروت، الطبعة الأولى 1983م.
∗ – يوسف القرضاوي: مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1997.
∗ ابن القيم محمد بن أبي بكر بن أيوب الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة، بيروت مكتبة المنار الإسلامية الكويت، الطبعة السابعة والعشرون 1994م.
∗ ابن كثير القرشي الدمشقي أبو الفداء: تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى.
∗ أبو بكر البيهقي: السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2003.
∗ أبو بكر محمد بن الحسن المرادي الخضرمي: كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة، تحقيق، محمد حسن محمد حسن إسماعيل، وأحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى،1424هـ/2003م.
∗ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1984.
∗ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي: الصحاح (المسمى تاج اللغة وصحاح العربية)، دار العلم للملايين، بيروت، تحقيق، أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة 1990م.
∗ أحمد بن محمد الفيومي: المصباح المنير، مكتبة صيدا، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2000م.
∗ الإمام أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري: صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب، توزيع دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دون تاريخ، باب فضيلة الإمام العادل.
∗ الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية: أحكام أهل الذمة، تحقيق سيد عمران، دار الحديث، القاهرة.
∗ جعفر عبد السلام: القانون الدولي الإنساني، مجلة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، العدد الثاني.
∗ جلال الدين السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى:1407هـ/1987م.
∗ حمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2001.
∗ دريس الفاسي الفهري: مفهوم السلام في الإسلام وأصول القانون الدولي الإسلامي، فاس، المغرب 2016.
∗ الدسوقي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، تحقيق محمد علي، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ.
∗ سليمان البجيرمي: حاشيته على شرح منهج الطلاب المسماة التجريد لنفع العبيد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
∗ شمس الدين السرخسي: المبسوط، دار المعرفة، بيروت.
∗ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: مجموع فتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1995.
∗ عبد الحميد مختار: معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، الطبعة الأولى 2008.
∗ عبد السلام المصباحي: العلاقات الدولية، مطبعة أنفو برنت فاس، الطبعة الثانية 2002.
∗ عبد الله بن إبراهيم بن علي الطريقى: الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي، مؤسسة الرسالة، طبعة 2008.
∗ عبد الواحد الناصر: الناصر في العلاقات الدولية، شركة بابل الرباط، طبعة 1997.
∗ عبد الوهاب خلاف: السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية، دار السلام، مصر 2012، ص 93.
∗ علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق: علي محمد عوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1418هـ/1997م.
∗ علي أحمد الجرجاني: حكمة التشريع وفلسفته، دار الفكر للطباعة والنشر، طبعة 2014.
∗ علي بن محمد الجرجاني: التعريفات، ضبطه وفهرسه محمد بن عبد الحكيم، دار الكتاب المصري واللبناني، الطبعة الأولى، 1991م.
∗ محمد أبو زهرة: العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، طبعة 1995.
∗ محمد بن إدريس الشافعي: الرسالة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ 1990م، ص 300
∗ محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسني أبو الفيض الملقب بمرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية.
∗ محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي المالكي: التاج والإكليل لمختصر الشيخ خليل، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1994م.
∗ -محمد رشيد رضا في تفسير المنار 2/ 208، وعبد الوهاب خلاف في السياسة الشرعية ص77، ووهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام.
∗ مصطفى السباعي: نظام السلم والحرب في الإسلام، مكتبة الوراق، المملكة العربية السعودية، الطبعة 2، 1998.
∗ معلومي عبد الحميد: البعثات النبوية والأهداف المتوخاة منها، مجلة دعوة الحق، العدد 15، 2003.
∗ وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث، دار المكتبي، دمشق، طبعة 1420.
مدخل:
لا زالت علاقتنا مع الآخر، المخالف لنا في الشريعة والعقيدة، تقوم وتؤسس على تقسيم الفقهاء القدامى للمخالفين لنا في الدين؛ إلى دار حرب، ودار سلام، رغم التحولات والتغيرات التي شهدها عالمنا المعاصر؛والتي توجب علينا أن نغير نظرتنا، والمنظار الذي كنا ننظر به إليهم،والتي كانت صالحة لعصرها، ونجتهد لعصرنا بمنظور المقاصد العامةللشريعة الإسلامية، المبنية على الترجيح بين المصالح والمفاسد، تبعا لتغير أحوال الزمان، وما آل إليه حال المسلمين اليوم على مجموعة من المستويات.
فكيف كان ينظر فقهاؤنا القدامى للمخالفين لنا في العقيدة والشريعة، وكيف تتأسس علاقة الدولة الإسلامية معهم في حالة الحرب على وجه الخصوص؟
وقبل الخوض في هذه الإشكالية القديمة/ الجديدة؛ لابد أن نلقي نظرة سريعة على مجموعة من الخصائص التي تمتاز بها الشريعة الإسلامية خلافا لباقي التشريعات السماوية الأخرى والوضعية على حد سواء، وعلى الأسس والمبادئ التي تقوم عليها علاقتنا مع الآخر المختلف عنا، عبر استقراء النصوص الشرعية الداعية لهذه المبادئ والأسس.
أولا: خصائص الشريعة الإسلامية والأسس والمبادئ العامة لعلاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين
قبل تبيان علاقة الدولة الإسلامية أو دار الإسلام بتعبير الفقهاء، مع غيرها من الدول أو الديار، وتكييف هذه العلاقة، وهل هي علاقة سلم وسلام، أم علاقة حرب حسب الأدلة التي يعضد بها كل فريق مما يذهب إليه؛ لابد من الوقوف على بعض الخصائص التي انفردت بها هذه الشريعة وهذا الدين عن غيرها من الشرائع الأخرى، وعلى بعض المبادئ والأسس التي تقوم عليها علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول المخالفة لها في المعتقد والشريعة.
❖ خصائص الشريعة الإسلامية والأسس والمبادئ العامة لعلاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين
لقد انفرد الدين الإسلامي بعدة خصائص تميزه عن غيره من الشرائع السماوية الأخرى، أو الأديان (إن جاز التعبير) لأن الدين واحد؛ لعموم قوله تعالى « إن الدين عند اللَّه الإسلام »، ولكون جميع الرسل بعثوا بتقرير توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة كما هو مؤكد في قوله « وماأرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنافاعبدون »، وبعدة مبادئ وأسس تؤطر علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من المخالفين، وتتجلى هذه الخواص في التالي ذكره.
• خاصية العالمية: وهي من الخصائص التي انفرد بها الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع الأخرى، إذ منذ اللحظة الأولى من ميلادها جاءت للعالمين من الخلق، إنسهم، وجنهم، أبيضهم وأسودهم، أحمرهم وأصفرهم، حرهم وعبدهم، غنيهم وفقيرهم، حاكمهم ومحكومهم، بل لكل الموجودات التي لا نفقه تسبيحها، » وهو ما عناه الدكتور يوسف القرضاوي بقوله « والشريعة الإسلامية شريعة إنسانية، عالمية، إنها ليست شريعة عربية، وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث بها عربيا، واللغة التي نزلت بها لغة العرب ».
إنها شريعة رب الناس، لكل الناس، نزل بها القرآن، الذي يقول منزله »تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا »، وقوله أيضا « قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ».
غير أن مفهوم عالمية هذا الدين، لا يعني إلغاء الآخرين المختلفين عنا في الشرائع الأخرى، بل يعني أن عالميته، دمجت بين الحضارات والأعراق،وثقافاتهم، في نسق إنساني موحد، منطلقه التوجيه الرباني « لا إكراه في الدين ».
ولقد أرسل الله سبحانه وتعالى قبل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عددا كبيرا من الرسل والأنبياء، إلا أن الذي ميز رسالتهم، هو طابعهاالإقليمي المحلي، في الزمان والمكان؛ لأنها تختص بجماعة من الناس،دون أخرى، وهو ما أكده الله تعالى بقوله « ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ». أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاءتللعالمين، والشواهد في القرآن الكريم كثيرة ومتعددة، كلها تؤكد هذا الأمر وتدل عليه، كما في قوله تعالى » لقد أرسلنا نوحا إلى قومه »، وقوله تعالى في هود « وإلى عاد آخاهم هودا »، وقوله سبحانه وتعالى « وإلى ثمود أخاهم صالحا »، « وإلى مدين آخاهم شعيبا »، وقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام « ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه »، وقوله تعالى « وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم »؛ فالله سبحانه وتعالى ربط في هذه الآيات، بين كل رسول والقوم الذي بعث فيهمخاصة، كما ربط بينهم وبين الأماكن التي بعثوا فيها؛ أما محمد عليه الصلاة والسلام فهو الرسول الوحيد الذي كانت رسالته عامة للبشر جميعا، ممتدة في الزمان والمكان؛ ولذلك يخاطبه الله في آيات كثيرةبقوله « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ». يقول الطبري في تفسيرهلهذه الآية: « يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي »، و عن ابن عباس في قول الله في كتابه « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتبت له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله، عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف ». يقول ابن كثير كذلك في معرض تفسيره لهذه الآية: « يخبر تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة ».
وقوله تعالى أيضا « وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا »، يقول الطبري في تفسير هذه الآية: « يا محمد ما أرسلناك إلى المشركين بالله من قومك بشكل مخصوص، ولكن أرسلناك للناس كافة أجمعين؛ عربهم وعجمهم، أحمرهم وأسودهم ».
ويزخر القرآن الكريم بالعديد من الآيات التي تعتبر من مؤيدات عالمية هذا الدين، ومن ذلك قوله تعالى » قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا »، وقوله سبحانه وتعالى « تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا »، وقوله عز من قائل « إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبـأه بعد حين »، وغير ذلك من الآيات التي تفيد هذا المعنى المتأصل في الشريعة الإسلامية.
ومما يؤيد عموم هذه الرسالة كذلك؛ هو الواقع العملي لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم يعرضرسالته على القبائل في مواسم الحج وغيرها، يدعوهم فيها إلى دين الله، و يبعث رسله إلى الملوك والأمراء، وزعماء القبائل يدعوهم فيها إلى الإسلام، كهرقل ملك الروم، وكسرى عظيم فارس، والنجاشي فيالحبشة، والمقوقس زعيم مصر، تنفيذا للأمر الإلهي « فاصدع بما تومر وأعرض عن المشركين » وقوله أيضا « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن اللَّه لا يهدي القوم الكافرين »؛ فكان القرآن الكريم دستور هذه الأمة، وكانت دعوته صلى الله عليه وسلم، دعوة خاتمة،ناسخة للدعوات السابقة، ورسالة مفتوحة إلى كل الأمم والأجيال، وليست رسالة مخصوصة لأهل زمان دون زمان، أو مكان دون آخر.
• خاصية الشمول والمرونة والثبات والسماحة والصلاحية لكل زمان ومكان
وهي خاصية تستفاد من منطوق بعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى » ما فرطنا في الكتاب من شيء »، وقوله عز من قائل « ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين »؛ وقد عبر الدكتور يوسف القرضاوي عن هذه الخاصية بقوله: « ومن خصائص القرآن الكريم كذلك: الشمولية، إذ جمع (القرآن الكريم) أصول الهداية الإلهية، والتوجيه الرباني، في العقائد والشعائر، وفي الآداب والأخلاق، كما جمع أصول التشريعات الإلهية في العبادات والمعاملات، وشؤون الأسرة، وعلاقات المجتمع الصغير والكبير، المحلي والدولي ». ومن خواصها كذلك:
• خاصية المرونة والثبات، والسماحة، والصلاحية لكل زمان ومكان: وهي من خواص هذه الشريعة التي جاءت لتنظيم علاقة المسلمين بربهم أولا، وببعضهم البعض ثانيا، أو علاقتهم بالآخرين ممن لم يعتنقوا دينهم؛ فكانت العلاقة مع الآخرين في منتهى الروعة، والكمال والجلال، في كافة شؤون الحياة، وفي مختلف الظروف والأحوال، سواء في حال الحرب، أو في حال السلم، وسواء كانوا أهل ذمة أو مستأمنين،أو معاهدين، أو حربيين أو مرتدين، نظمها تنظيما دقيقا من خلال مجموعة من الأسس والمبادئ العامة، الواضحة الجلية المستمدة من نصوص الوحي القرآن والسنة المطهرة كما سوف نرى في المطلب الذي سنفصل فيه في الآتي.
❖ المبادئ والأسس العامة لعلاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين
لما كان الدين الإسلامي خاتم الأديان السماوية؛ كان لزاما أن تكون تشريعاته شاملة لكل مجالات الحياة التي تخص الإنسان المستخلف في الأرض، وتيسر له سبل العيش والتعايش مع جميع من يشاركه المعتقد، ومن يخالفه فيها على حد سواء؛ ولذلك أولت تشريعاته أهمية كبرى لتنظيم علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول؛ حتى تستطيع أن تتعايش مع المجتمع الدولي الكبير الذي تعتبر حلقة من حلقاته الكبرى، وتقيم علاقاتها الخارجية مع من خالفها، إذ مهما كان مجتمعه الكبير الذي يعيش فيه؛ فلابد أن يحتاج لغيره وللآخر وإن اختلف عنه، خصوصا في زماننا المعاصر، الذي تطورت فيه أدوات وتقنيات ووسائطالتواصل والاتصال بين الأمم والشعوب.
فكان والحالة هذه، أن يبني علاقاته على مجموعة من المبادئ والأسس الكبرى التي توطد علاقاته، وتسير بها في منهج قويم، لتتحقق الأفضلية والخيرية التي وسم بها الله تعالى هذه الأمة، في قوله تعالى « كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر »، كما سنبين ونبسط الكلام فيها في التالي.
• مبدأ العدل
وهو مبدأ متأصل في الشريعة الإسلامية، والذي قبل التفصيل فيه، لابد أن نقف على مدلوله اللغوي والاصطلاحي؛ ليتحقق المطلوب الذي نحن بصدده.
العدل في اللغة: عرفه ابن منظور بقوله « هو الحكم بالحق، يقال: هويقضي بالحق ويعدل »، أما بن فارس فعرفه بقوله « والعدل: أصله التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل »،وأما صاحب القاموس المحيط فقد عرفه بالضد بقوله: « وإذا كان الظلم يعني وضع الشيء في غير موضعه، فإن العدل خلاف ذلك، فهو يعني وضع الشيء في موضعه، ويعني الإنصاف وإقامة الحق »، وهو ما أكده الجوهري في تعريفه بالضد كذلك بقوله: « العدل خلاف الجور »،و »العدالة والمعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة ».
ومما يرادف لفظ العدل؛ يقول الفيومي: » العدل هو: القسط والحق »، ومنه قوله تعالى « وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ».
العدل في الاصطلاح وإطلاقاته في الشريعة الإسلامية
إن الناظر لمفهوم العدل في إطلاقه الاصطلاحي؛ سيجد أن هناك تطابقاتاما بين المعني اللغوي والاصطلاحي، يقول الجرجاني « هو عبارة عن الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط. والعدل بمعنى: الاستقامةوالاعتدال، والميل إلى الحق » وقيل: « هو إعطاء الحق لصاحبه وهوالأصل للحقوق الراجحة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات »، وضروبه وأقسامه كثيرة ويمكن إجمالها في الإطلاقات الأربع:
الأول: وضع الأمور في مواضعها، أي مراعاة الاستحقاق،
الثاني: التوازن والتعادل،
الثالث: المساواة وعدم التفرقة، التي تعتبر من لوازم العدل،
الرابع: وإعطاء كل ذي حق حقه، من غير تفرقة بين المستحقين ».
ومن إطلاقات العدل في القرآن والسنة، قوله تعالى « يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين »، وهو أمر بالقسط أي العدل، والمراد: أي قول الحق والصدق ولو كان ضد أقرب المقربين للمرء.
ويقول الله تعالى أيضا في أمره بالعدل مع المخالفين « يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء لله بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى »، وهو ما أكده القرطبي رحمه الله في تفسيره «ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا » أي على ترك العدوان وإيثار العدوان على الحق، ودليل الآية أيضا، أنه يتوجب العدل ولو مع الكافر »، وهو ما أكده الله سبحانه وتعالى في قوله « لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ».
فكان والحالة هذه، أننا مأمورون بالعدل، وقول الحق في كل حال، وفي جميع معاملاتنا وتصرفاتنا، ولو مع أعدائنا.
ومن إطلاقات العدل كذلك في القرآن الكريم: التوحيد كما في قوله تعالى « إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء القربى »؛ حيث يرى بعض المفسرين أن المراد بالعدل هنا التوحيد ».
وفي السنة النبوية: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال » إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما والوا ».
وغيرها من الإطلاقات المعززة بالنصوص القطعية من القرآن والسنة، والتي أمرت بالعدل في الحكم بين الناس، وفي القصاص، والكيل والميزان، وفي القول، وفي القيام لليتامى بالقسط، والعدل بين الزوجات،والعدل مع المخالفين لنا في العقيدة والشريعة، وهو ما أكده الدكتور محمد أبو زهرة بقوله « فمهما اختلف معنا الناس في العقيدة والعبادة؛فلابد أن نعدل بينهم ومعهم، ولا نظلمهم في حقوقهم، ولا يجوز أن نمكر بهم ونخدعهم إذا كان ثمة عهود ومواثيق » وهو ما سنراه في الفرعالتالي.
• مبدأ الوفاء بالعهود والمواثيق
وهو مبدأ متأصل في ديننا الحنيف، ومتفرع عن مبدأ العدل الذي فصلنا فيه سابقا، ولكي يتجلى المطلوب الذي نحن بصدده، سنقف على مدلوله اللغوي والاصطلاحي، وعلى مشروعيته من خلال القرآن والسنة التي تستمد منها الأوامر والنواهي والأحكام.
تعريف العهد والميثاق: يعرف العهد: بالوصية، يقال عهد إليه يعهد من باب تعب إذا أوصاه، وعهدت إليه بالأمر قدمته، وفي التنزيل « ألمأعهد إليكم يا بني آدم ».
والعهد: الأمان، ولذلك يقال: إن الحربي دخل بالأمان »، قال الجرجاني: العهد هو حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال ».
الميثاق: مفرد جمعه مواثيق، وهو العهد، بيني وبينه ميثاق »، قال تعالى«الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ». والميثاق: العهد، قال تعالى « وإذ أخذ الله ميثاق النبيين » أي أخذ العهد عليهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ».
والأدلة على مشروعيته من القرآن والسنة النبوية كثيرة منها قوله تعالى » وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم »، بمعنى أوفوا بعهد الله إذا وثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه »، وقوله تعالى « إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق » ففي هذه الآية بيان وتقرير بعقد المعاهدة والوفاء بها. وقوله تعالى « وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم »، وقوله أيضا « إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين »، وغيرها من الآيات التي تنظم علاقة المسلمين بغيرهم من المخالفين في السلم والحرب.
وفي السنة النبوية: نجد أمثلة كثيرة تؤكد مشروعية الوفاء بالمعاهدات، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد مجموعة من المعاهدات بينه وبين مجموعة من الطوائف غير المسلمة في عصره، فكان وفيا بما عاهدهم عليه، كما هو الحال عندما عاهد اليهود على حسن الجوار،عندما استقر بالمدينة المنورة وهو ما يعرف بوثيقة المدينة، وهي المعاهدة التي تعد نبراسا للمسلمين في أصول العلاقات الدولية بينهم وبين من خالفهم، وكذلك صلح الحديبية، وحلف الفضول في الجاهلية، الذي قالفيه صلى الله عليه وسلم » لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ».
وكذلك معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار من المشركينوأهل الكتاب، ومن ذلك قول أنس بن مالك » أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما بسم الله الرحمن الرحيم، فلا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال: اكتب من محمد رسول الله، فقال: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك، واسم أبيك، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب من محمد بن عبد الله « واشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لن نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله، أتكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله »، وكذلك ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم، كما فعل حذيفة بن اليمان مع أهل فارس في معاهدته لهم التي جاء فيها « بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى حذيفة بن اليمان أهل ما دينار؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم لا يغيرون عن ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنفعة ما أدوا الجزية في كل سنة إلى ولي المسلمين، على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاعته؛ وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، ووقروا جنود المسلمين من مر بهم، فآوى إليهم يوما وليلة، ونصحوا، فإن غشوا وبدلوا فذمتنا منهم بريئة ».
وغيرها من المعاهدات السياسية، والتجارية، والاقتصادية التي يزخر بها تاريخ الإسلام من عهد النبوة، مرورا بعهد الخلافة الراشدة، وصولا إلى غيرها من الدول التي تعاقبت على الحكم الإسلامي؛ والتي تجمع في مجملها على وجوب احترام العقود والمعاهدات باعتبارها مبدأ ساميا في الشريعة الإسلامية، مستمدا أصوله من السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم الذي حذر من الغدر، والخيانة مع المخالفين، بقوله « من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما ». قال ابن حجر معلقا على الحديث: المراد من به أو له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم ».
والشواهد كثيرة في الشريعة الإسلامية؛ والتي أمرت إلى احترام العهود مع الغير، سواء كانوا جماعات أو أفراد، ما لم يقم الطرف الآخر بنقضها والتراجع عليها، فآنئد يشرع نقضها معاملة بالمثل.
وهي مبادئ سامية، تمنع وقوع الفساد في الأرض، وأي فساد أكبر من الظلم ونقض العهود كما سوف نرى.
ثانيا: علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول.
قبل تبيان علاقة الدولة الإسلامية أو دار الإسلام بتعبير الفقهاء، مع غيرها من الدول أو الديار المخالفة، وما إن كانت هذه العلاقة مبنية على السلم أم الحرب؛ كان لزاما علينا أن نلقي نظرة سريعة على مفهوم العلاقات الدولية كما تواضع عليها فقهاء القانون الدولي وفقهاء الشريعة الإسلامية.
عرف فقهاء القانون، العلاقات الدولية بكونها « روابط اجتماعية بين الدول »، ومنهم من عرفها بقوله هي « الأسس التي تحكم العلاقات بين الدول المختلفة دينيا أو عرقيا أو إقليميا في حالات السلم والحرب ».
والناظر في تعريفات العلاقات الدولية عند فقهاء القانون، يلحظ أن ثمةبعض الاختلاف بينها، وذلك راجع إلى اختلاف وجهات النظر في العلاقات الدولية ككل، يقول الأستاذ عبد الواحد الناصر « لا يوجد تعريف واحد للعلاقات الدولية، فالتعريفات تختلف من واحد لآخر، بحيث لا يوجد اتفاق تام حول تحديد الإطار العام لدراسة العلاقات الدولية، وحول مكونات هذه العلاقات والأطراف الفاعلة فيها، والظواهر والعوامل التي يتعين تناولها بالدراسة، وانعدام الاتفاق على تعريف واحد للعلاقات الدولية، يعكس في الواقع تعدد طرائق فهمها، ووجود مداخل مختلفة لدراسة الظواهر التي تندرج في إطار ما يسمى بالعلاقات الدولية ».
أما علماء الإسلام قديما، فقد تناولوا الحديث عن العلاقات الدوليةبشكل آخر فيما يعرف بعلم السير، فعرفها الإمام السرخسي بقوله: »السير جمع سيرة، وبه سمي هذا الكتاب، لأنه بين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب، ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة، ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالإنكار بعد الإقرار، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين، وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين ».
واكتفى الكاساني في بدائع الصنائع بالقول: « السير جمع سيرة، والسيرة في اللغة ترد في معنيين: أحدهما: الطريقة، يقال: هما على سيرة واحدة، أي على طريقة واحدة.
والثاني: الهيأة: قال تعالى « سنعيدها سيرتها الأولى » أي: هيأتها، فاحتمل تسمية هذا الكتاب، كتاب السير؛ لما فيه من بيان طريق الغزاة وهيأتهم مما لهم وعليهم ».
إلا أن الناظر في هذين التعريفين، يجد أنهما يهتمان بأمور الغزو والحرب أكثر من أي شيء آخر؛ فعلم السير يبين « الطريقة والسلوك الإسلامي في نوع خاص من المعاملات »هو الغزو، وهو بهذا الاعتبار « مقارب لقانون النزاعات المسلحة، لأن ذلك ما يقتضيه العموم الذي يطبع صيغ تعريف العلماء السابقين لعلم السير »، « وبالرجوع إلى المبادئ التي يتضمنها قانون النزاعات المسلحة في الشريعة الإسلامية، يمكننا أن نجزم بأن أهدافه ومبادئه أقرب إلى أهداف القانون الدولي الإنساني » بخصوصياته منها إلى قانون النزاعات المسلحة في عمومه ».
وإذا كان الأمر كذلك؛ فماهي علاقة دار الإسلام بدار الحرب بتعبير الفقهاء؟ وهل هذه العلاقة؛ هي علاقة حرب دائمة تقطعها فترات من السلم؟ أم أنها علاقة سلم دائمة لا تقطعها الحرب إلا دفاعا عن النفس؟
ومن تعريفات الفقهاء لدار الحرب: فقد اتفق الفقهاء على أن « دار المخالفين تسمى دار حرب، وأن كل دار دولة لم تخضع لسلطان المسلمين، أنها لا تكون دار إسلام؛ لذلك أوردوا لها عدة تعريفات تكاد تتطابق من حيث اللفظ، ومنها:
فقد عرفها الحنفية بكونها هي: « التي لم تظهر فيها أحكام الكفر »، وعرفها المالكية: « بأن دار الحرب التي لم تقم فيها شعائر الإسلام « . أماالشافعية: فقد عرفوها بأنها » كل بقعة تكون أحكام الكفر فيها ظاهرة »أو هي: » كـــل مـكـان يسكنه غير المسلمين، وليس فيه حكم إسلامي، ولم تظهر فيه أحكامه قط ».
وبالنظر للواقع الدولي المعاصر وبنظرة فقهية، فإن دار الحرب يمكن تعريفها « هي البلاد التي ليس فيها حكم أو ولاية إسلامية، ولا تسود فيها أحكام الشريعة أو بعضها، بل يصعب تصورها في وقتنا الحالي بفعل الهجرة واللجوء للمسلمين في بعض البلدان وإقامة شعائرهم بكل حرية.
ومن تعريفات الفقهاء لدار الإسلام: فهي عند جمهور الفقهاء » كل مكانتكون فيه أحكام الإسلام ظاهرة ».
وعند الأحناف: قال السرخسي » هي اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين، وتجري فيه أحكام الإسلام ويأمن فيه المسلمين ».
وعند المالكية: عرفها الدسوقي بقوله » هي التي تقام فيها شعائر الإسلام أو أكثرها حتى وإن كانت بيد الكفار ».
وعند الشافعية: « هي الدار التي يستوطنها المسلمون كملك لهم وإن كانمعهم فيها أهل ذمة، أو فتحها المسلمون وكانوا يسكنونها ثم أجلاهم الكافرون عنها ».
وعند الحنابلة: قال ابن القيم « هي التي سكنها المسلمون وطبقت فيهاأحكام الإسلام ».
وهناك من الفقهاء والباحثين المحدثين من عرفها بقولهم « ودار الإسلام هي البلاد التي فيها سيادة للمسلمين وتجري فيها أحكامهم وشعائرالإسلام ويأمن فيها المسلمون بمنعة ».
فهذا هو التقسيم الذي دأب عليه الفقهاء الأقدمون، عند تعرضهم للعلاقات بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى، لكن هذا التقسيم لم يكن بإطلاق ولم يدم طويلا، فما إن استقرت الدولة الإسلامية وتقوى عودها، أصبحت الحاجة ماسة إلى تقوية العلاقات بين المسلمين وغيرهم، فتم عقد المعاهدات مع البلدان التي ليس فيها ولاية للمسلمين، وأضاف الفقهاء صنفا أخرا من الديار، وأطلقوا عليها « دار العهد »؛ ودار بينهم خلاف كذلك، حول المعيار المعتمد حول دخول بلاد ما، تحت هذا المسمى أو خروجها منه؛ تبعا لاختلافهم حول الشروط التي تدخل في العهد الموثق للعلاقة بين الدولة الإسلامية والدولة المعاهدة.
وهناك من أضاف نوعا آخرا، أطلق عليه « دار البغي » والتي يمكنتعريفها بكونها » بقعة من دار الإسلام تحيز إليها جمع من المسلمين، لهم شوكة، خرجت عن الإمام بتأويل، ومنهم من أضاف تقسيما حديثا أطلق عليه؛ دار دعوة، ودار استجابة.
لكن السؤال الذي يطرح هنا: ما هو المعيار الذي عول عليه الفقهاء في هذا التقسيم؟
يقول القاضي أبو يوسف: « تعتبر الدار دار إسلام؛ بظهور أحكام الإسلام فيها، وإن كان جل أهلها من الكفار، وتعتبر الدار دار كفر،لظهور أحكام الكفر فيها، وإن كان جل أهلها من المـــسلمـــين »، أما الكاساني فقال: » لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإســـلام فيها ». أما ابن القاسم فقد قال في المدونة » وكانت الدار يومئذ دار حرب؛ لأن أحكام الجاهلية كــانــــــت ظاهرة يومئذ »، أما الشافعي فاعتبر أنه » إذا ظهر الإمام على بلاد أهل الحرب ونفى عنها أهلها، أو ظهر على بلاد وقهـــر أهلها، فقد أصبحتبلادا للمسلمين وملكا لهم ».
أما ابن حزم الظاهري فقال: » ودارهم (أي أهل الذمة ) دار إسلام، لا دار شرك، لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها ».
ومما يلاحظ؛ أن معيار هذا التقسيم عند بعض الفقهاء مرتبط بظهور الأحكام، بينما يـــرتبط عند آخرين بوجود السلطة وغلبتها على الدار.
والناظر في الواقع الحال؛ يجد أن هذين الأمرين متلازمين، فوجود السلطة من شأنه أن تسري أحكامها في البلد، ومن ذلك أمان المسلمين، وحمايتهم من الاعتداء، وتمكينهم من إقامة شـــعـــــائــر الإسلام.
ومهما يكن فإن » التمييز بين دار الحرب وغيرها؛ يركز على عنصر الحكم والمنعة، فحيثما يكون حكم السلطان ومنعته تعتبر « دار إسلام »، وحين يكونان لغير المسلمين تكون « دار حرب ».
❖ الرأي القائل بأن الأصل في علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من المخالفين هي الحرب
« لقد عرفت البشرية عبر مر عصورها حروبا ونزاعات لا تعد ولا تحصى، واكتوى بنارها الصغير قبل الكبير؛ فكانت بحق وبالا على البشرية، حتى أن مؤرخي التاريخ أحصوا أنه على مدار أكثر من ثلاثة آلاف سنة الأخيرة من حياة البشر، لم تنعم البشرية إلا بمئتي وخمسين عاما من السلام… وأنه خلال خمسة وثمانين جيلا، لم ينعم منهم بسلم مؤقت إلا عشرة أجيال فقط »؛ وهو ما يبين أن الحرب والصراع سنة كونية في البشر تمليها المصالح والأهواء، منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل.
وتختلف الحروب « باختلاف طبيعتها، ومجالاتها، وأسبابها، ومن حيث الوسائل المستعملة فيها إلى ما يلي:
– الحروب العادلة والحروب غير العادلة: فمن الباحثين من ينظر للحرب نظرة أخلاقية فلسفية ويشجب الحرب كظاهرة، ويرفض الأخذ بأنها أمر لابد منه، في حين يعتبرها البعض الآخر أمر لابد منه، كتحقيق الاستقلال الوطني، وهو صنف يتطابق من حروب حركات التحرر من الاستعمار.
– الحروب الإقليمية أو المحلية أو العالمية: وهو تصنيف وفق المجالالجغرافي الذي تدور أحداثه عليه، وبتالي تكون الحرب؛ إما محلية أو إقليمية، أو عالمية تشتبك فيها العديد من الدول كالحرب العالمية الأولىلعام 1914 والحرب العالمية الثانية لسنة 1945.
– الحروب الدفاعية والحروب الهجومية: ووفق هذا التصنيف فالحرب الدفاعية: هي الحرب التي تدافع فيها الشعوب عن مصالحها في وجه هجوم تشنه جبهات طامعة وتوسعية تسعى لاستثمار ميزات القوة لديها.
ويمكن أن تكون حرب الدفاع عن النفس، حربا هجومية؛ أي أنها تأخذ المبادأة في الهجوم عندما تتعرض دولة إلى التهديدات، وفق منطق « أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم.
– الحروب التقليدية والحروب النووية: ووفق هذا التصنيف فإن الحروب التقليدية: هي التي تستخدم فيها الأسلحة التقليدية والخفيفة كالسيوف والخناجر، والمدافع، والقنابل العادية والرصاص… أما النوع الثانيمنها: فهو الذي تجند فيها القوة التدميرية وتصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل والتي تحاول الدول حظر استعمالها بأنواعها الثلاث البيولوجية، الكيماوية، النووية الذرية »، وهي التي عليها مدار حديثنا في هذه الرسالة.
وإذا كانت الحرب ظاهرة كونية فكيف ينظر في الفقه الإسلامي إليها؟وماهي علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من المخالفين؟
إن الاتجاه القائل بأن الحرب هي الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم، ينطلق في تقريره لهذه القاعدة من واقع « أن الإسلام هو خاتم الأديان وأشملها وأعمها، وبالتالي تكون الدعوة له واجبة على الدوام، حتى يعتنقه من يشاء متى شاء بدون ضغط أو إكراه أو فتنة، والدعوة حسب هذا الاتجاه تتم بشكلين:
ــ الدعوة بالبيان: عن طريق النصح لهم والإرشاد والترغيب بالدخول في دين الله لما في ذلك من منافع في الدنيا والآخرة.
ــ الدعوة بالسنان: بقتال كل من يقف في وجه الدعوة أو يعارضها ولا يرضى الانصياع لحكم الله ».عبر «الجهاد الذي لم يشرع عبثا، ولم يشرع لتحقيق مصالح شخصية، أو لكسب مطامع مادية، بل ولم يكن تشريعه من أجل إزهاق نفوس البشر وسفك دمائهم، أو إبادة جنس الكفار » وإنما لتحقيق جملة من المقاصد والغايات يمكن إجمالها في:
– أنه شرع من أجل إعلاء كلمة الله وبسط شرعه ورفع منارة الإسلام كما قال تعالى « وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله » وقوله تعالى أيضا «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهرهعلى الدين كله ولو كره المشركون »، وبذلك يتحصل أن دين الله تعالى لابد أن يعلو وأن يكون عزيزا لا ذليلا، ذلك أن الجهاد يعتبر « فرضا دائما لا يحل تركه ولا التقاعس عنه، بأمان ولا موادعة، إلا لغرض الاستعداد كما في حالة ضعف المسلمين وقوة عدوهم، والدعوة دعوتان؛ دعوة باللسان، ودعوة بالسنان، فمن بلغته دعوة الإسلام ولم يستجب لها، ووقف في وجهها، وجب دعوته بالسيف وقتاله »، »ويلحق بهم كذلك من يطلب منه إعطاء الجزية فيرفض، فإنه بهذا الرفض قد استعلى على المسلمين، وتركهم على هذا الوضع يقتضي بقاء كلمة الكفار عالية، وذلك ما لا يتفق ومقصود الشارع من تشريع الجهاد، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ».
– وشرع أيضا لدرء الفتنة في الدين ومحوها، فإذا وجدت دولة أو قوة كافرة تصد عن دين الله وتفتنهم فيه، إما عن طريق قوة مادية، أو قوة معنوية – ومنها ما يسمى الآن بالغزو الفكري- فحينئذ يأتي دور الجهاد في سبيل الله ليزيل هذه العقبات، وهذا واضح من الآية السابقة «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ».
– وشرع لنصرة المستضعفين: وهم الأقليات المسلمة التي تعيش مكرهة في ديار الكفار الذين يتلقون ألوانا من الاضطهاد كما جاء في قوله تعالى «وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ِوالولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ».
– وشرع من أجل تأديب المتمردين المتلاعبين بأحكام الإسلام ومبادئه العامة الذين يستغلون سماحة الإسلام وأهله، وذلك مثل الكفار الناكثين للعهود «وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر »
– وكذلك من كان بينه وبين المسلمين عهد، وخاف منه المسلمون حربا، فعند ذلك ينبذ إليه العهد الرابط ويكشف له حقيقة الأمر ثم يقاتل « وإما تخافن من قوم خيانة فَأنبذ إليهم على سواء إِنَّ اللَّه لا يحبالخائنين ».
– وكذلك مثل المرتدين عن أحكام الإسلام، فيقاتلون على ردتهم حتى يسلموا أو تنكسر شوكتم، مثل ما فعله الخليفة أبو بكر الصديق الله باستشارة مع الصحابة.
– وكذلك أصحاب البغي من المسلمين الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل فيقاتلون أيضا حتى تذهب ريحهم « فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيءَ إلى أمر اللَّهِ »، ويقاس عليهم كل جماعة من المسلمين اتفقت على ارتكاب محظور أو ترك واجب وتواطأت على ذلك؛ فيقاتلون أيضا حتى يستقيموا « .
– بالإضافة إلى مشروعيته الدفاع عن النفس والعرض والأوطان والأموال » أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن اللَّه على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنااللَّه ».
وإذا كان الأمر كذلك فهل يفهم من هذه الغايات والمقاصد أن الجهاد منطلقه دفاعي أم هجومي؟
إن وصف الجهاد بأنه دفاعي أو هجومي لا يعبر عن كنه الجهادومقاصده السامية، فهو ليس هجوميا بالمعنى الاصطلاحي للهجوم، وهو شن الغارات بدون مقدمات وقتل النفوس وإفساد الممتلكات بدون قيود، وهو كذلك ليس دفاعيا بالمعنى الاصطلاحي للدفاع، وهو الدفاع عن الأوطان فقط دون أن يتجاوز الجيش المسلم حدود أرضه لتبليغ هذه الدعوة الربانية، كلا ليس الجهاد بهذا المعنى ولا بذاك، « بل هو الدعوة إلى الله، وإعلاء كلمته وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، بحيث يسلم الناس أو يخضعون للمسلمين بدفع الجزية أو يسالمون ويهادنون، ومن رفع هامته وأنف من ذلك جوه » يقول الماوردي.
تلك مجمل الأسباب والمقاصد التي شرع الجهاد من أجلها، أما الكفر وحده، فقد اختلف أهل العلم في كونه سببا للقتال؟
فقيل « نعم يكون سببا، بل هو السبب الأصلي والحقيقي في القتال، وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي، وهو ما يفهم من نصوص كثير من الفقهاء، من المالكية، والحنابلة، وغيرهم.
ثم اختلف هؤلاء هل الكفر سبب مبيح للقتال أو موجب له؟ فقال الشافعية: إنه موجب »، فيما يرى الحنابلة أنه مبيح، لا موجب ».
وقيل إن الكفر وحده ليس سببا في القتال، إلا إذا كان معه محاربة ومقاتلة من الكفار، أي أن القتال سببه المحاربة، وبه قال الحنفية »، وهو ما ذهب إليه جمهور الباحثين من الفقهاء المعاصرين ».
ولقد ساق أصحاب هذا الاتجاه الكثير من الأدلة القرآنية والحديثية المعززة لما ذهبوا إليه من قول بخصوص تحديد طبيعة علاقة المسلمين مع غيرهم وبكونها هي علاقة حرب.
ــ من القرآن الكريم: قوله تعالى « وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة » « حيث أمر بقتال كافة المشركين، ووجوب اجتماع المسلمين على قتالهم باعتبار كلمة كافة تفيد حالا ». كما قال بذلك الجصاص.
– وقوله تعالى » وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا »وهو ما يؤكد عالمية هذه الرسالة والدعوة إليها، « فكافة تستوعب الناس والبشر جميعا من شتى الألوان، والأعراق، والبقاع ».
– وقوله تعالى « فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كُل مرصدفإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إِن الله غفور رحيم ».
– وقوله تعالى « قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ».
ــ وقوله تعالى » كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون »، وقوله تعالى » واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم »، وقوله تعالى » إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا »، وغيرها من الآيات التي ساقها أصحاب هذا الرأي، والتي يذهبون فيها إلى القول: بكون أن آخر ما نزل من القرآن الكريم بخصوص علاقة المسلمين بغيرهم، هي الآيات الآمرة بالقتال، مما يدل على أن الأصل في هذه العلاقة هو الحرب، أما السلم فلا يتم إلا بسبب هدنة أو صلح أو عقد ذمة أو نحوها؛ وقد عزز أصحاب هذا الاتجاه، بما ثبت في السنة النبوية من أحاديث تشير إلى مقاتلة أهل الكفر حتى يدخلوا في دين الإسلام.
وخلاصة القول فيما يخص هذا الاتجاه الذي يقرر أن علاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول هي علاقة حرب لا سلام إلا بشروط؛ أنه يذهب في سياق تعزيز وتأكيد أن الحرب قاعدة مؤسسة للعلاقات بين المسلمين وغيرهم، لأن آية السيف، نسخت آية « لا إكراه في الدين »، كما أنها نسخت كل صفح أو عفو، فقد ورد في الإتقان في علوم القرآن للسيوطي قول ابن العربي: » كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم نسخ بآية السيف، وهي: » فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين » الآية نسخت مائة وأربعة وعشرين آية ثم نسخ آخرها أولها ».
وأما من السنة النبوية: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله » »ووجه الدلالة هنا أن معركة الإسلام مع الكفر مفروضة علينا فرضا وهو صراع وجود لا خيار لأمة فيه، كما أن فكرة الإسلام من حقها أن تنشر دون عوائق؛ كونها من عند الله، ولا يجوز وضعها داخل حدود جغرافية معينة بل يجب إتاحتها لكافة البشر بحرية ودون عوائق »؛ « فدل الحديث بعمومه على أن الغاية من القتال هي أن يكون الدين كله لله، وذلك بدخول الناس في دين الله، إلا أنه قد جاء ما يدل من الكتاب والسنة على اعتبار غاية أخرى تمنع القتال وهي دفع الجزية »، واستدلوا كذلك بحديث: »بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم ». وما رواه أبو داود في سننه » الجهاد ماض منذ بعثني الله ».
هذه إذن الأدلة النقلية التي استند عليها أصحاب هذا الاتجاه لتبرير ما ذهبوا إليه، وأما الأدلة من الواقع العملي التي استند عليها هذا الفريق »أن عصر الفتوحات يثبت صحة ما ذهب إليه هؤلاء، حيث إن الخلفاء الراشدين سيروا الجيوش الإسلامية لفتح البلاد المجاورة مثل الشام والعراق ومصر وشمال إفريقيا لا سبيل الدفاع وإنما على سبيل مد حدود الدعوة الإسلامية وحمايتها ».
مناقشة أدلة هذا الفريق: إن ما ساقه أصحاب هذا الاتجاه يجعلنا نطرح التساؤلات التالية:
– أليس دفع الكفار إلى الإسلام بالقوة فيه إكراه؟ ثم إن استجابة أمة كاملة من الناس يكاد يكون متعذرا، فكيف ستسلم دولة أو مجموعة منهادفعة واحدة؟ وحتى إن حصل فسيكون إسلامهم إجباري وسيجعل معظمهم زنادقة ومنافقين.
– « ثم إن عالمية الدعوة الإسلامية لا تعني فرض الدين الإسلامي على الناس قهرا، حتى يكون هو الدين الوحيد على سطح الأرض »، ويتناقض مع قوله تعالى «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين »، والتبليغ يكون من خلال التبشير، والإنذار، يقول تعالى » وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين »، « والسلم هو الوقت المناسب والأمثل لتبليغ الدعوة ».
– ثم إن الدعوة بالسنان والسيف يتعارض مع التوجيه القرآني « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن »، كما يتعارض مع وجوب الإيمان المبني على التفكير والتدبر بعيدا عن التهديد « لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي »؛ فالآية تنفي أن يكون القهر والإكراه من طرق الدعوة إلى الله، فأساس الدين الإقناع، والعنف يدعو إلى الإعراض؛ فكيف يستدل به على أن أصل العلاقة مع المخالفين هي الحرب؟ إلا إذا كانت لأجل منحهم الفرصة للاطلاع على تعاليم الدين الإسلامي، وذلك متاح في زماننا دون الحاجة لخوض الحروب.
وقوله تعالى « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم »فتشير الآية إلى وحدة أصل الجنس البشري وتدعو إلى التعارف الذي يؤسس لمبدأ التعايش الذي لا يتم إلا في ظل السلم والتعاون والتكامل في إطار العلاقات الدولية التي تقتضيها قواعد العدل الإنساني من عدل ومساواة ووفاء بالعهود.
وقوله تعالى « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن » وقوله تعالى » وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ».
وأما قوله تعالى « إذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كُل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إِن الله غفور رحيم » فالآية تدل على الأمر المباشر بقتل المشركين بعد انتهاء المهلة لمجرد شركهم وإن لم يعتدوا ».
وأما حديث « الجهاد ماض »؛ فهو لا يدل بالضرورة على نهج سبيل الحرب مطلقا، فقد وردت أحاديث تشير إلى غير ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: « أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية ».
إلى غير ذلك من الأدلة العقلية والنقلية التي تؤكد ما ذهبنا إليه، والتي سنفصل فيها بشكل دقيق في المطلب التالي.
المطلب الثاني: الرأي القائل بأن الأصل في علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من المخالفين هو السلام
السلام في اللغة: يرجع إلى معان متعددة متنوعة، إلا أن الغالب فيهثلاثة معان فقط، وهي:
السلامة: فقد جاء في العين: « ورجل سليم أي سالم، وقد سلم سلامة، وقول الناس السلام عليكم أي السلامة من الله عليكم ».
وهو نفس المعنى الذي قرره ابن فارس في مقاييس اللغة فقال: « سلم: السين واللام والميم، معظم بابه من الصحة والعافية… فالسلامة أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى. قال أهل العلم الله جل ثناؤه هو السلام لسلامته مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص والفناء ».
فالسلام في الأصل السلامة، وقيل للجنة دار السلام؛ لأنها دار السلامة من الآفات. والسلامة: البراءة، يقال: تسلم منه تبرأ، وقال ابن الأعرابي: السلامة العافية. وسلم فلان بالكسر سلامة نجا من المكروه وسلمه الله منه.
وجاء في أساس البلاغة للزمخشري: «سلم من المرض برئ منه ».
فالسلامة إذن، هي المعافاة من كل ما من شأنه أن يضر؛ من الآفة والمرض، والمكروه والبلاء والعاهة، وغير ذلك من الأمور المضرة. وهي على هذا الأساس، ترجع إلى الصحة والعافية والنجاة.
المسالمة: يقول الدكتور إدريس الفاسي الفهري: «ومن معنى الصحة في الأبدان والأشياء وصلاحها تسمى العلاقة السلمية بين الناس « سلاما » و »سلم « بمعنى: صحة العلاقة وصلاحها ».
والأصل في السلم حسب هذا المعنى، أن يأتي بصيغة تفيد الاشتراك في الفعل؛ كمُفَاعلة: مُسَالمة، وتفاعل: تسالم، وفاعل: سالم. « والواقع أن تعبير لفظ « السلم «على نوع من العلاقة بين الناس بغير الصيغة الصرفية للمشاركة، راجع لكونه مستغنيا بما يقتضيه معناه من المشاركة عن التخصيص اللفظي لاقتضائها.
هذا بالإضافة إلى أن لفظ « السلم » يأتي كذلك بصيغ المشاركة، فهو واحد ضمن مجموعة من المشتقات تدل على نفس المعنى »، وفي هذا السياق يقول ابن فارس: » والسلام المُسالمة، وفعال تجيء في المفاعلة كثيرا نحو القتال والمقاتلة »، وجاء في مختار الصحاح: «التسالمالتصالح والمسالمة المصالحة ». ويرجع إدريس الفاسي الفهري اتحاد معنى السلم (بالرغم من تعدد صيغه الاشتقاقية)، إلى ارتباطه الشديد بأضداده على وجه من الاتباع اللفظي لها؛ فالسلم ضد الحرب، والسلام ضد القتال والخصام والنزاع، والتسالم ضد التحارب والتخاصم، والمسالمة ضد المحاربة والمنازعة والمقاتلة ».
الإسلام: والمعنى الثالث للفظ السلام، « الذي يدل على الدين الذي جاء به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. والمؤمنون برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام سموا بالمسلمين، قال تعالى « ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين »، فأساس هذا الدين وجوهره الانقياد والاستسلام لرب العالمين، قال تعالى » بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون »، وقال سبحانه »إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين »، « فالإسلام الاستسلام لأمر الله تعالى، وهو الانقياد لطاعته والقبول لأمره »، وفي مختار الصحاح: » أسلم أمره إلى الله أي سلم، وأسلم دخل في السلم بفتحتين، وهو الاستسلام و أسلم من الإسلام و استسلم أي انقاد »،وفي السياق ذاته يقول مصطفى السباعي: » أما الإسلام فأول ما يلاحظ فيه اشتقاق اسمه من مادة « السلام »، والإسلام والسلام من مادة واحدة، وليس الإسلام إلا خضوع القلب والروح والجسم لنظام الحق والخير، واستسلام المسلم لمالك الأمر في الدنيا والآخرة لله رب العالمين ».
فالذي يلاحظ من خلال بيان هذه الألفاظ الثلاث، هو أن السلام في حقيقة الأمر يدخل في جميع الأمور المتعلقة بحياة الإنسان، في علاقته مع ذاته ومع ربه ومع الآخرين؛ ففي علاقته مع ذاته، يراد به –أي السلام- سلامة الإنسان من كل ما من شأنه أن يضر به وبصحته؛ بأن يكون معافى من الآفة والمرض، والمكروه والبلاء والعاهة، وغير ذلك من الأمور المضرة، وفي علاقته بالآخرين يراد به سلامة العلاقة بينه وبين الآخرين؛ بأن تكون علاقة صحيحة صالحة، أما في علاقته بربه ورب الناس أجمعين، فيراد به سلامة الإنسان من معصية الخالق، واستسلامه وخضوعه بالقلب والجوارح إلى أمر الله عز وجل، حتى تكون علاقته بربه عز وجل علاقة صحيحة سليمة، ويكون معافى من مرض المعصية وينجو بذلك من أشد العقاب.
وإذا كان السلام في الاستعمال اللغوي يدور حول معاني الصحة والمعافاة والنجاة، والصلاح والاستسلام والخضوع، فإلى أي حد تحضر هذه المعاني عند الوقوف في الاستعمال القرآني للسلام؟
❖ الرأي القائل بأن الأصل هو السلام
لقد ذهب الكثير من العلماء وفقهاء السير إلى اعتبار أن أصل العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول المخالفة هي علاقة سلم وسلام، لا علاقة حرب واصطدام، فكيف ذلك؟ وهي الأدلة والحجج والبراهين التي استند إليها هؤلاء؟
لقد ذهب جمهور الفقهاء القدامى ونفر كبير من الكتاب والباحثين المسلمين المعاصرين إلى اعتبار «الدين الإسلامي كما يظهر من تسميه، هو دين سلام لا دين حرب »، وأن الحرب والقتال أمر طارئ على البشرية ، لا يلجأ إليه إلا للدفاع عن المسلمين حينما يكون هناك اعتداء عليهم، أو إيذاء أو ظلم لهم، أو فتنة لهم عن دينهم، ومتى كان الكفار مسالمين تاركين الدعوة الإسلامية وشأنها فإنه لا يحل قتالهم لمجرد المخالفة في دين أو للغلبة، فالجهاد إنما شرع لحماية المسلمين وديارهم ودعوتهم، وإلا فالسلم هو الأصل في العلاقات بين الناس وهــــو مفهوم من روح التشريع ومقاصــده النبيلة ».
وقد تبــع هؤلاء كثير من الباحثين المعاصرين من الفقهـــاء وأهل القانون الوضعي وقالوا « أن الأصل في العلاقات بين المسلمين هو السلم، وأن ذلك هو رأي الجمهرة العظمى من الفقهاء، والقلة التي خالفت ما كان نظرها إلى الأصل بل نظرها إلى الواقع، وكان ما قررته حكما زمنيا، وليس أصلا دينيا، وأن تسمية دار المخالفين دار حرب لا يمنع من أن الأصل هو السلم ».
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن « إذا أردنا أن نجمل تعليمات الإسلام في معاملة المخالفين له ــ في ضوء ما يحل ويحرم ــ فحسبنا آيتان من كتاب الله، جديرتان أن تكونا دستورا جامعا في هذا الشأن وهما قوله تعالى » لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أنتولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون »، فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا، ولو كانوا كافرين بدينه ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته ويضطهدوا أهله ».
فأصحاب هذا الاتجاه يرون أن العلاقة بين دار الإسلام وغيرها من الديار الأخرى؛ هي علاقة سلم، ولا تأتي الحرب إلا استثناء من القاعدة المذكورة، وأن الحرب الدفاعية هي الحرب المشروعة في الإسلام، فيما تعتبر الحرب الهجومية حرب عدوانية، لا يجوز اللجوء إليها إلا إذا بدأت هذه الأمم الحرب أولا، واستدلوا على ذلك ب:
ـــ من القرآن الكريم: هناك العديد من الآيات التي تأمر بالجنوح إلى السلام، وعدم محاربة الآخرين، إلا في حالة الدفاع عن النفس أو الدين أو غيرها من الضروريات المقررة في الشريعة، ومن الآيات الكريمة التي تدل دلالة واضحة على هذا الأمر، والتي يدخل بعضها في مجال الدعوة إلى السلم، والبعض الأخر يدخل في مجال تسويغ القتال الدفاعي ما يلي:
قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ».
وقوله تعالى » وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم »، وقد قيل إن الآية منسوخة بقوله تعالى » فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم » إلا أن الإمام الطبري وغيره من المفسرين ضعفوا هذا الرأي ».
وقوله تعالى « ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مومنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة »، وقوله أيضا « فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ».
ومن الآيات القرآنية التي تعزز معنى السلام في الإسلام قوله تعالى »لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ».
ـومن الآيات التي تنسجم مع هذا المقام، قوله تعالى » لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي »، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: » أي: لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحدا على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مكسورا، وقد ذكروا أن الآية نزلت في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما » .
ومما يعزز ويقوي ما جاءت به هذه الآية، قوله تعالى » لست عليهم بمسيطر »، وقوله عز من قائل « ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين »؛ يقول ابن كثير في تفسيره: » أي: تلزمهم حتى يكونوا مؤمنين، فليس ذلك عليك ولا إليك، بل إلى الله »؛ « مما يدل على أن القتال لم يشرع لإدخال الناس في الدين كرها، وذلك ما يفيد أن السلم هي الأصل لا الحرب » .
فمجموع هذه الآيات هي على سبيل الذكر لا الحصر والتي تبلغ مائة أية، تفيد بشكل واضح بين أن الأصل العام في الإسلام هو السلام، وأنه ليس من دين الإسلام وشريعته، إكراه أحد بقوة السيف على الدخول فيه واعتناقه والإيمان به والتزام أحكامه.
ــ ومن السنة النبوية القولية: قول النبي صلى الله عليه وسلم: » أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية »، وقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا « .
ــ وفي مجال السنة الفعلية: يمكن القول « بأن النبي صلى الله عليه وسلم ظل ثلاثة عشرة سنة في مكة يقاوم المشركين سلما بدون أن يحمل السلاح عليهم أو يشن ضدهم أي هجوم، وكان يقول لصحابته لما يتساءلون عن سبب ذلك: « لم أؤمر بقتال » وعندما انتقل إلى المدينة وسمح للمسلمين، بوحي من ربه، أن يحملوا السلاح ضد المشركين العرب وجيران الدولة الإسلامية من غير العرب، سمح لهم بذلك دفاعا عن أنفسهم أو دفاعا عن الدعوة الإسلامية فحسب.
وهكذا يمكن القول إن الغزوات التي جرت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ضد مشركي العرب، مثل هوازن وثقيف كانت جميعا من قبيل الحروب الدفاعية ».
ومن كلام العلماء الدال على أن الواجب على الأمراء والملوك من أهل الإسلام في معاملتهم لغيرهم هو الأخذ بأصل السلام، قول المرادي: « للملك أن يبدأ عدوه باللين، والمسالمة، والبذل وطلب المواصلة، والسكون، ولا يصل معه إلى الحرب حتى تعو الحيل كلها، فإن الحكماء قد قالوا: أكيس القوم من لم يلتمس الأمر بالقتال ما وجد إلى غيره سبيلا؛ ولأن الحرب ينفق فيها من الأعمار، وغيرها ينفق فيها من الأموال… واعلم أن الصلح أحد الحروب التي يدفع بها الأعداء عن المضرة ».
كما أن هناك جملة من القواعد الفقهية التي تؤيد وتؤكد هذا الأصل منها:
– الأصل في الدماء الحظر إلا بيقين الإباحة؛ فالإسلام لا يبيح الدماء سواء للكفار فضلا عن المسلمين قد منع من إراقة الدماء في الشبهة إلا بيقين اقتضته الضرورة إلى ذلك.
– والضرورة تقدر بقدرها؛ فالمعني إذا زالت الضرورة التي من أجلها أبيح الدم كالدفاع عن النفس والأهل والمال عند الاعتداء فيتوقف دون المجاوزة، ومعنى هذه القاعدة أن كل ما أبيح للضرورة من فعل أو ترك فإنما يباح بالقدر الذي يدفع الضرورة والأذى دون ما عدا ذلك.
– والأصل في الأشياء الإباحة؛ ومعنى الإباحة: رفع المؤاخذة لا الضمان ودليل هذه القواعد قوله تعالى » فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ».
ومن خلال ما سبق وتقرر، نقول:
إن النقول التي استند عليها أصحاب هذا الاتجاه، تدل صراحة على أن الأصل في الشريعة هو السلم، وأن الحرب استثناء لا مسوغ للخوض فيها، إلا بمجموعة من الشروط، والتي إن تضافرت في مجملها، أصبحت الحرب قاعدة والسلم استثناء، واستسلام نهى الله عنه وذم الراكنين إليه.
وبين هذين النقيضين، برز اتجاه أخر يوفق بين الرأيين السابقين وهو » رأي الإمام أبي حنيفة وبعض الأئمة الزيديين، ويميز أصحاب هذين الرأيين بين ما إن كانت هناك حدود مشتركة لدار الحرب مع دار الإسلام أم لا؟ فإذا لم تكن هناك حدود مشتركة بين الدارين؛ تكون العلاقة بينهما علاقة حرب حتى تقطعها مهادنة، لأنه لا يمكن أن يأمن جانب دار الحرب إذا كانت ملاصقة لدار الإسلام، وأما إذا لم تكن هناك حدود مشتركة بين الدارين، أو كانت الحدود بينهما بحارا واسعة أو صحاريومفازات شاسعة، فتكون العلاقة بينهما مبدئيا علاقة سلم، إلا إذا شنت الدار الأخرى عدوانا على دار الإسلام، أو كانت تتهيأ بشكل أكيد، أو ساءت معاملة المسلمين الموجودين فيها بحيث لم يعد المسلم آمنا على دينه ونفسه وعرضه وماله فوق أراضيها ».
إلا أن هذا الرأي في وقتنا الحالي يصعب أن نتصوره تصورا شاملا على أرض الواقع، نظرا للطبيعة المعقدة التي أصبحت تربط الدول فيما بينها ككيانات واتحادات، أو ما يربطها من المعاهدات والاتفاقيات، بحيث إذا ما تعرضت « دولة ما » لهجوم أو اعتداء، فكأنما تعرضت له جميع الدول المتحالفة معها وإن كانت تفصل بينهما المسافات الطويلة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإنه موقف ورأي، يتماشى والقانون الدولي المعاصر، الذي يضفي المشروعية على الحرب الوقائية، عكس الحرب العدوانية التي يمنعها الإسلام والقانون الدولي المعاصر في آن واحد.
واعتبارا لما سبق نقول: إن العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب بتعبير الفقهاء، أو علاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول المخالفة لها في الحكم والنفوذ والسلطة هي:
علاقة سلم وسلام دائمين، لطالما لم تنتف الشروط السابقة، وعلى رأسهاشرط:
انتهاك حرمتها ومحاولة احتلال أرضها وشعبها، أو تعريض مصالحها القومية والاستراتيجية العليا للخطر، فآنئد يشرع لها أن تباشر معها المفاوضات السلمية لكفها عن ذلك، وإلا جاز لها أن تحمل السلاح في وجها وتواجهها بالسلاح ردا لكل اعتداء، ومتى تحقق شرط دحرها خارج حدودها، يجب التوقف عن محاربتها وسفك دماء جنودها.
أما مسألة نشر الدعوة التي اعتبرها بعض الفقهاء سببا للغزو، لكييصل هذا الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ فقد كان له ما يبرره في القرون الأولى عندما كانت الدعوة لا يمكنها أن تبلغ إلا بالفتوحات الميدانية؛ أما وإن أصبح العالم قرية صغيرة، وتطورت وسائل الاتصال والتواصل والبحث وبجميع اللغات عن بعد، وبكبسة زر من غير مشقة، فإنني أراه متجاوزا الآن، وأصبحت ساحة معركته؛ هي التدافع في تبيان دعوة الحق بالقلم والكلمة، وإبراز معالم نبل هذه الرسالة السمحة، ليدخلها من شاء، متى شاء، عن قناعة وبينة، ومن غير إراقة نقطة دم، وهي أفضل طريقة، ورأس سنام الجهاد في وقتنا الحالي.
لائحة المصادر والمراجع:
∗ القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
∗ – إبراهيم حسين الشاذلي المعروف بالسيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، مصر.
∗ – ابن تيمية: الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول، مكتبة التبيان، دار ابن الجوزي، القاهرة، 1995.
∗ – ابن فارس: مقاييس اللغة، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1979م.
∗ – ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، طبعة 1994.
∗ – أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري: الجهاد في سبيل الله، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م.
∗ – أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني (ت503هـ): معجم مفردات القرآن، ضبطه وصححه وخرج آياته وشواهده: إبراهيم شمس الدين، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1997م.
∗ – أبو القاسم محمود الزمخشري: أساس البلاغة، دار الفكر، طبعة 1979م.
∗ – أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر، بدون طبعة.
∗ – أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري الجعفي: صحيح البخاري تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1414هـ/1994م.
∗ – أحمد علي الإمام: العدل في الإسلام، دار الحصاد للنشر والتوزيع، طبعة 1988.
∗ – الجصاص: أحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ.
∗ – الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1990.
∗ – الحيدر أبادي، محمد حميد الله، الهندي: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس، بيروت، الطبعة السادسة 1407.
∗ – سعيد الصواغي: القرآن الكريم واستشراف القيم الإنسانية «قيمة العدل أنموذجا « مجلة وحدة الأمة، العدد الأول، يونيو 2011.
∗ – سعيد جويلي: المدخل لدراسة القانون الدولي الإنساني، القاهرة، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى 2003.
∗ – عارف خليل أبو عيد: العلاقات الدولية في الفقه الإسلامي، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن طبعة 2007.
∗ – عبد الله بن صالح بن حسين العلي: الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي المقارن، جامعة أم القرى بمكة المكرمة، عام 1405- 1406هـ.
∗ – فيصل مولوي: المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب، مركز الإعلام العربي للنشر 1999.
∗ – كامل الخزرجي: العلاقات السياسية الدولية واستراتيجية الأزمات، الأردن، دار مجدلاوي، الطبعة الأولى2005
∗ – ينظر: الأفعال لأبي القاسم علي بن جعفر السعدي، عالم الكتب بيروت، الطبعة الأولى 1983م.
∗ – يوسف القرضاوي: مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1997.
∗ ابن القيم محمد بن أبي بكر بن أيوب الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة، بيروت مكتبة المنار الإسلامية الكويت، الطبعة السابعة والعشرون 1994م.
∗ ابن كثير القرشي الدمشقي أبو الفداء: تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى.
∗ أبو بكر البيهقي: السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2003.
∗ أبو بكر محمد بن الحسن المرادي الخضرمي: كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة، تحقيق، محمد حسن محمد حسن إسماعيل، وأحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى،1424هـ/2003م.
∗ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1984.
∗ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي: الصحاح (المسمى تاج اللغة وصحاح العربية)، دار العلم للملايين، بيروت، تحقيق، أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة 1990م.
∗ أحمد بن محمد الفيومي: المصباح المنير، مكتبة صيدا، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2000م.
∗ الإمام أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري: صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب، توزيع دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دون تاريخ، باب فضيلة الإمام العادل.
∗ الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية: أحكام أهل الذمة، تحقيق سيد عمران، دار الحديث، القاهرة.
∗ جعفر عبد السلام: القانون الدولي الإنساني، مجلة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، العدد الثاني.
∗ جلال الدين السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى:1407هـ/1987م.
∗ حمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 2001.
∗ دريس الفاسي الفهري: مفهوم السلام في الإسلام وأصول القانون الدولي الإسلامي، فاس، المغرب 2016.
∗ الدسوقي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، تحقيق محمد علي، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ.
∗ سليمان البجيرمي: حاشيته على شرح منهج الطلاب المسماة التجريد لنفع العبيد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
∗ شمس الدين السرخسي: المبسوط، دار المعرفة، بيروت.
∗ شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: مجموع فتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1995.
∗ عبد الحميد مختار: معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، الطبعة الأولى 2008.
∗ عبد السلام المصباحي: العلاقات الدولية، مطبعة أنفو برنت فاس، الطبعة الثانية 2002.
∗ عبد الله بن إبراهيم بن علي الطريقى: الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي، مؤسسة الرسالة، طبعة 2008.
∗ عبد الواحد الناصر: الناصر في العلاقات الدولية، شركة بابل الرباط، طبعة 1997.
∗ عبد الوهاب خلاف: السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية، دار السلام، مصر 2012، ص 93.
∗ علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق: علي محمد عوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1418هـ/1997م.
∗ علي أحمد الجرجاني: حكمة التشريع وفلسفته، دار الفكر للطباعة والنشر، طبعة 2014.
∗ علي بن محمد الجرجاني: التعريفات، ضبطه وفهرسه محمد بن عبد الحكيم، دار الكتاب المصري واللبناني، الطبعة الأولى، 1991م.
∗ محمد أبو زهرة: العلاقات الدولية في الإسلام، دار الفكر العربي، طبعة 1995.
∗ محمد بن إدريس الشافعي: الرسالة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ 1990م، ص 300
∗ محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسني أبو الفيض الملقب بمرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية.
∗ محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي المالكي: التاج والإكليل لمختصر الشيخ خليل، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1994م.
∗ -محمد رشيد رضا في تفسير المنار 2/ 208، وعبد الوهاب خلاف في السياسة الشرعية ص77، ووهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام.
∗ مصطفى السباعي: نظام السلم والحرب في الإسلام، مكتبة الوراق، المملكة العربية السعودية، الطبعة 2، 1998.
∗ معلومي عبد الحميد: البعثات النبوية والأهداف المتوخاة منها، مجلة دعوة الحق، العدد 15، 2003.
∗ وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث، دار المكتبي، دمشق، طبعة 1420.

