مدخل:
لما كانت الصراعات والحروب ظواهر إنسانية، وسنن كونية لا يمكن إنكارها؛ عصرنا الحديث هو الآخر، قد شهد حروبا طاحنة بين مجموعة من الكيانات والمعسكرات، والتي إن قل عددها مقارنة بما عرفته العصور الغابرة، فإن حدتها ونتائجها، خلفت دمارا وخرابا أكثر مما خلفته سابقاتها، كما هو الحال في الحرب العالمية الأولى، والثانية على وجه الخصوص؛ نتيجة تطور أساليب ووسائل القتال، وتفنن الإنسان وإبداعه في تصنيع أسلحة يمكن أن تبيد مدنا، بل دولا بكاملها؛ والتي اصطلح على تسميتها بأسلحة الدمار الشامل.
ولما تعالت الأصوات المنددة والرافضة للحرب، أو التقليل من مخاطرها، من لدن فقهاء القانون الدولي الإنساني، والمنظمات الدولية المختصة، ودعاة السلم والسلام في العالم، وكان هذا الموضوع أصيلا في ديننا الحنيف؛ أصبح لزاما أن تدرس ويبين حكمها الشرعي من حيث جواز امتلاكها، من باب الإعداد للقوة الواجبة، والمأمور بها شرعا في قوله تعالى « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وَعدوكم » أو التحريم والنهي، من باب أن في امتلاكها واستعمالها؛ نشر الفساد، والإفساد في الأرض- التي استخلفنا الله فيها وأمرنا بعمارتها بدل تخريبها- وقتل الأنفس وإزهاق الأرواح البريئة، بهذه الأسلحة التدميرية والفتاكة، التي تهلك الحرث والنسل، ولا تفرق بين من يتوجب استهدافهم بالقتال، ومن لا يجب قصدهم بالقتال شرعا وقانونا، وقياسها على ما كان معتمدا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من الأسلحة التي اعتبرت في ذلك العهد ذات قوة تدميرية؛ حتى إذا كانت مباحة أو واجبة؛ وجب علينا الأخذ بها والسعي لامتلاكها، وإن كانت غير مباحة ولا يجوز امتلاكها؛ تجنبناها وأخذنا ببدائلها؟ أم أن شريعتنا الإسلامية، شريعة قاصرة عن مسايرة ما يستجد في الزمان والمكان، والأجدر بها أن تلف في الرفوف، وتترك المجال لاجتهادات القانون الوضعي ليحل محلها كما يريد أعداؤها؟
وقبل الخوص في المطلوب؛ لابد من تأكيد حقيقة لابد منه:
وهي أن شريعتنا الإسلامية نهت عن العقاب الجماعي وحرمته، وقررت الحماية لمجموعة من الفئات التي لا تشترك في الحرب مبنى ومعنى، من باب العدل الذي بنيت عليه، فحرمت المساس بالمدنيين الذين لا يشتركون في القتال، من الرجال والنساء، والأطفال، والشيوخ والزمنى والمرضى، وكل من يدخل في حكمهم، ممن لا قدرة له على القتال، إلا لضرورة حربية، أو مشاركته برأي أو مكيدة، وقررت في حقهم مجموعة من القواعد والتوجيهات السامية، التي تعتبر خير موجه لسير العمليات الحربية، وخير ترجمة فعلية لنبل، وسماحة هذه الشريعة الإسلامية، ونهت أيضا عن حماية من يشترك في القتال؛ إذا أصبح عاجزا عن القتال، كالأسرى الذين يقعون في قبضة جيش الدولة، ووضعت القواعد السامية لكيفية التعامل معهم، كما حرصت على حرمة جثت من يسقطون في أرض المعركة من القتلى، حرمة للنفس البشرية، وهي قواعد ترد على من يتهم هذه الشريعة بالمغالاة والقسوة والقتل والتعطش للدماء.
ومن الـأمور التي قررتها الشريعة الإسلامية والتي تدخل ضمن الفئات المشمولة بالحماية في الحرب من غير النفس البشرية، المحافظة على ما ينفع الناس من البيئة وما يدب فيها من الحيوانات وغيرهم، وممتلكات الناس وما ينفعهم، إلا بقدر الحاجة، وما يحقق اندحار العدو، وهي كلها أمور مقررة بقواعد سامية، وأدلة شاهدة من القرآن والسنة والسيرة الفعلية للرسول الكريم، وصحابته الأبرار. فكيف ذلك؟
المطلب الأول: الفئات المشمولة بالحماية في الحرب في الشريعة الإسلامية:
الفرع الاول: حماية المدنيين أثناء الحرب في الشريعة الإسلامية
تعتبر فئة المدنيين بأصنافهم، أول فئة تذوق سم النزاعات المسلحة أو الحرب؛ لكونها تكون مجردة من فكرة الصراع والحرب ابتداء، ولكنها تقحم في ساحة القتال وتجد نفسها داخله، رغما عنها، فلاهي تحصنت وحملت السلاح للدفاع عن نفسها، ولا هي نجت بنفسها من نار الحرب؟، والمدنيون هم: «الأشخاص الذين لا يشتركون في أية فئة من فئات القوات المسلحة أو المقاتلين »،
وإذا كان مفهوم المدنيين يشمل كل الذين لا يشتركون في الحرب مبنى ومعنى، لاعتبارات تعيق مشاركتهم، من إعاقة، أو مبدأ، أو باعتبار جنسهم وسنهم وطبيعة عملهم، كالنساء والصبيان والرسل، وغير ذلك من الذين لا صلة لهم بالأعمال الحربية والعسكرية بأنواعها المختلفة؛ فإن الشريعة الإسلامية ركزت على مجابهة ومحاربة من يحارب المسلمين ويتصدى لهم، ووضعت القواعد العامة التي لا يجوز للمسلم أن يتجاوزها، بل قيدت وضبطت هذه الحرب عند وقوعها، بمجموعة من الضوابط والشروط التي تقيد استخدام القوة ووسائلها، تماشيا مع الروح الإسلامية السمحة والعادلة ، يؤكد ذلك قول الله تعالى »وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين » .
ويدخل مع فئة المدنيين الأطفال والنساء إذا لم يشاركوا في العمليات العسكرية حيث حرمت الشريعة الإسلامية قتلهم بدليل ما روي عن ابن عمر ـــ رضي الله عنهما ــ قال » وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فنهى رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ عن قتل النساء والصبيان « .كما حرمت الشريعة الإسلامية قتل العسفاء والاجراء بدليل : « ما جاء عن رباح بن ربيع ـــــ رضي الله عنه ــــ قال: كنا مع رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــــ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا، فنظر علام اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: ما كانت هذه لتقاتل، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال: قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفا »، ففي الحديث دلالة واضحة على عدم جواز قتل الأجراء والعسفاء، لكونهم من الفئة المستضعفة، التي لا تشترك في العمليات الحربية.
ويدخل ضمن هذه الفئة « الفلاحون والعمال بأصنافهم، والأطباء الذين يداوون المرضى والجرحى ومن على شاكلتهم ممن لا يشترك في العمليات الحربية معنى ومبنى، وبأي وجه من وجوه المشاركة ». كما حرم قتل الشيوخ والمرضى إذا لم يشاركوا في القتال، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم « لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة ».
كما حرم الإسلام لا يجوز قتل الرهبان وأصحاب الصوامع إذا لم يشاركوا في القتال، بدليل ما روي عن عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنه قال ـــ كان رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ إذا جهز جيشا من جيوش المسلمين قال: اخرجوا باسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع ».
فكل الأدلة التي مرت بنا تعتبر بمثابة قواعد كبرى أقرتهاالشريعة الإسلامية للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة، والتي تتماشى وروح الشريعة السمحة ومقاصدها.
الفرع الثاني: حماية حرمة القتلى في الحرب فيالشريعة الإسلامية
فقد حرم ونهى الإسلام عن التمثيل بجثث القتلى إلا من باب المعاملة بالمثل، أو لمصلحة راجحة.
والمثلة: هي التشويه، يقال مثلت بالحيوان أمثل به، إذا قطعت أطرافه، وشوهته، ومثل بالقتيل: إذا جدع أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئا من أطرافه، والاسم؛ المثلة »؛ ويدخل في هذا الأمر، كل ما يؤدي إلى تشويه الجسم أو حز الرؤوس، أو ما شابهه ».
والدليل على هذه القاعدة: قوله تعالى « وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ».
فسبب نزول هذه الآية، أنه لما رأى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ـــ جثة عمه حمزة ــ رضي الله ــ في غزوة أحد، وقد مثل بها، حيث بقر بطنه، وليك كبده، وقطعت أذنه.. أقسم ــ صلى الله عليه وسلم ــ إن ظفر بالمشركين أن يمثل بسبعين منهم مقابل عمه، فانزل الله هذه الآية، والتي لا تمنع التمثيل بجثث الأعداء، ولكنها منعت التعدي والمبالغة فيه، حيث أعطت لصاحبه، حق العقاب بمثل ما فعل به، دون زيادة، فدل ذلك على مشروعية التمثيل بجثث الأعداء من باب المعاملة بالمثل.
وأما من السنة النبوية: ما رواه عبد الله بن مسعود ــرضي الله عنه ــ قال: « وجدت أبا جهل لعنه الله في قتلى بدر، وبه رمق، فحززت رأسه، فجئت به إلى رسول الله، فقلت: هذا والذي لا إله إلا هو رأس أبي جهل، فقال: هذا فرعون هذه الأمة ».
كما نهى الإسلام عن ترك جثث القتلى في العراء دون دفن بدليل؛ أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـــ « رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: ألم أنه عن قتل النساء؟ من صاحب هذه المرأة المقتولة؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني، فأمر بها رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أن توارى ». وعن يعلى بن مرة قال: « سافرت مع رسول الله مرة فما رأيته يمر بجيفة إنسان فيجاوزها حتى يأمر بدفنها، لا يسأل أمسلم هو أو كافر ».
الفرع الثالث: حماية الأسرى في الحرب في الشريعة الإسلامية : »فالإسلام حث على إكرام الأسير، حتى لا تتقد الروح الانتقامية في صفوف من أسره، وقد كان النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يوصي بأسرى بدر وكأنهم ضيوف، وليسوا أسرى »، وأوجب ديننا الحنيف معاملة الأسرى معاملة حسنة، وأمر بالرفق بهم، بل حرم إهانتهم، وإذلالهم، وامتهان كرامتهم »، لأنه لو لم توضع هذه القاعدة الذهبية، لجنح الناس إلى تعذيب الأسرى غيضا مما لاقوه منهم أثناء الحرب، حتى يشفى غليلهم وتبرد نفس من ذاق منهم ومن إخوانهم حر القتل والسيف، ونهى الإسلام عدم جواز تعذيب الأسيروالدليل على ذلك، وصيته صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام بأسرى بني قريظة لما اشتد عليهم الحر في منتصف النهار بقوله « لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح قيلوهم، واسقوهم حتى يبردوا ».
كما حثت الشريعة الإسلامية على حماية الممتلكات والبيئة يؤكد ذلك قول الله تعالى « وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد »، فالآية الكريمة ذكرت إهلاك الحرث والنسل، والفساد في الأرض، في معرض الذم، فدل ذلك على حرمته، وعدم جوازه مطلقا، والإتلاف والتهديم في دار الحرب من الفساد المحظور شرعا، والذي لا يحل للمسلمين أن يفعلوا شيئا منه ».
وأما من السنة النبوية: حديث ثوبان ـــ رضي الله عنه ـــ » من قتل صغيرا أو كبيرا أو حرق نخلا أو قطع مثمرة أو ذبح شاة لـإهابها لم يرجع كفافا »، أي خاليا من الذنوب.
وعن طاووس بن كيسان عن أبيه قال: » نهى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن عقر الشجر؛ فإنه عصمة للدواب في الجدب ». ومن الأدلة كذلك: الوصية الخالدة لخليقة رسول الله أبي بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان ــ رضي الله عنهما ــــ لما ولاه بعض فتوحات الشام، وفيها « وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلا، ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن ».
المطلب الثاني: حكـــم امتلاك أســلحة الـــدمار الشامـــل فــي الشـــريعة الإسلامــية ومقــاصدها الكـبرى
لقد شهد عصرنا الحالي نهضة علمية وتكنولوجية، حيرت العقول والألباب، بل إن وتيرتها تزداد يوما بعد يوم، بحيث ما إن تستفيق عن خبر اكتشاف علمي في قطر من أقطار الأرض؛ حتى يطل عليك اكتشاف آخر بنسخة حديثة، أكثر تطورا من سابقه؛ فكان والحالة هذه، أن عجت حياتنا اليومية بالقضايا والمستجدات بشكل رهيب؛ مستجدات كان من الضروري أن يجاب عليها ويبين حكمها الشرعي في العبادات والمعاملات، والأحوال الشخصية، والسلم والحرب وغيرها من أبواب الفقه، ما دامت شريعتنا الإسلامية، شريعة شاملة، عالمية، تتسع لكل حوادث الزمان والمكان، وباب الاجتهاد فيها مفتوح ومأمور به لتحقق صلاحيتها لكل زمان ومكان، وإلا زكينا ما يروجه بعض أعدائها، بكونها شريعة ودين قاصر، لا يمكن أن يساير تطور الشعوب وما عرفه من تطور علمي، وأنه يتوجب فصل الدين عن أمور الدنيا دون غيرها من أمور حياة المسلم، التي يجب أن تخضع للعقل البشري والقانون الوضعي ليقول كلمته فيها.
ومن هذه المستجدات التي أضحى الفقه الإسلامي وعلماؤه مطالبين بالإجابة عنها وتبيان حكمها؛ أسلحة الدمار الشامل، التي بينا أنواعها ومخاطر امتلاكها وقوة تدميرها في الباب الأول من وجهة قانونية صرفه، باعتبارها كأسلحة حديثة، ونازلة حادثة، لم يعرفها فقهاء الإسلام قديما، الذين كانوا يجتهدون في القطمير والنقير والفتيل، وما إن ظهر مستجد أو حادث من حوادث العصر، إلا وبينوا حكمه، بل تجاوزوا ذلك إلى الفقه الافتراضي الذي يمكن أن يطرأ أو يحدث.
فكيف يمكن قياس تعاليم الشريعة في القتال قديما، حيث كانت الحرب آنذاك تعتمد في مجملها على وسائل تقليدية، من مواجهة ومبارزة مباشرة بين الجيوش،بالسيوف أو حتى الرصاص في بداية اكتشافه واستخدامه، مع ما استجد من أسلحة الفتك والتدمير التي فصلنا فيها؟ وكيف يمكن التوفيق بين القواعد المقررة في سير العمليات الحربية بشكلها التقليدي بناء على ما استجد من التطور في وسائل القتال والتدمير والفتك، وبين مقاصد الشريعة الإسلامية وقواعدها الكبرى، بناء على ما استجد كذلك من تطور في وسائل القتال والتدمير والفتك في تقنيات أسلحة التدمير الشامل؟
الفرع الأول: أقوال الفقهاء المسلمين في أسلحة التدمير الشامل في عهدهم تبعا لمقاصد الشريعة وغاياتها الكبرى
حيث اختلف الفقهاء في استخدام هذه الأسلحة المدمرة في عهدهم إلى عدة آراء:
الرأي الأول: وهو قول الحنفية، « الذين قالوا بجواز استخدام جميع الأسلحة التدميرية ضد العدو، ومنها الإحراق بالنار؛ إلا أنهم اشترطوا أن يكون هذا السلاحهو الوسيلة الوحيدة التي يتحقق بها النصر على الأعداء، أما وإن كان تحقيق النصر وهزيمة الأعداء بغيرها من وسائل القتال؛ فلا يجوز اللجوء إلى استخدامها ».
وهو رأي بعض المالكية كذلك، الذين جوزوا استخدام سلاح التحريق بالنار ضد العدو، وزادوا شرطا آخرا على شرط السادة الحنفية، وهو « ألا يكون بين العدو مسلم، فإن كان بينهم مسلم لضرورة، أو تترسوا به، فلا يجوز ذلك عندهم ».
وممن قال بهذا الرأي كذلك السادة الحنابلة، وقالوا لا يجوز ذلك، إلا إذا كان هذا السلاح هو الوحيد الذي يرد العدو ويهزمه، فإن كان غيره؛ فلا يجوز، لأنه يكون في معنى المقدور عليهم ».
وأما الشافعية فقالوا، بجواز استخدام هذا السلاح (أي التحريق بالنار) في عمومه، بل « واستخدام جميع أنواع الأسلحة، ومنها الإحراق بالنار، ونصب المجانيق عليهم، وإلقاء الحيات والعقارب عليهم، وقطع الماء عنهم، وكل ما يؤدي إلى إهلاكهم ».
وبذلك قال الظاهرية كذلك، حيث قال ابن حزم الظاهري » وجائز تحريق أشجار المشركين، وأطعمتهم، وزرعهم، ودورهم وهدمها ».
وحتى الشيعة الإمامية قالوا « بجواز تحريق الأعداء بالنار، ورميهم بها إذا تعين ذلك طريقا للفتح، ولم يقدروا عليهم بغيرها، وخيف منهم على المسلمين، لأن القصد التغلب عليهم، وإقامة كلمة الحق.
ويرجع سبب اختلافهم في هذه المسألة يرجع إلى:
– تعارض النصوص والأدلة التي استدل بها كل فريق من حيث العموم والخصوص؛
– اختلافهم في نسخ بعض الأدلة، فمن أجازها استدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في آخر غزواته، وأنه لو كان قد لحقها النسخ، لما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأعلم بما ينزل عليه؛
– ومخالفة فعل أبي بكر لفعل النبي في استخدام سلاح التحريق؛
– واختلافهم في العلة الموجبة للقتل، هل هي الكفر أم القتال، فمن قال إن العلة هي الكفر أجاز استخدام كل الأسلحة دون قيد، ومن قال إن العلة هي القتال منع استخدام هذه الأسلحة، لأن هذه الأسلحة لا تميز بين المقاتلين وغيرهم ومن هناك كان ضررها واقع على فئة لا يجوز استهدافها بالقتال؛
– النظر إلى المصلحة العامة، ومقاصد استعمال هذه الوسائل الحربية من عدمها.
الفرع الثاني: تحرير القول فيما استجد منأسلحة التدمير الشامل بين مقصدي الحفاظ عن النفس والدين
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم في استعمال الأسلحة التدميرية في وقتهم، أرى أن المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل عند الحديث أن أسلحة التدمير الشامل في زماننا المعاصر على النحو التالي:
1- إن إطلاق القول في هذه المسألة، سواء بالجواز أو عدمه لا يستقيم، نظرا لخطورتها وارتباطها بالعديد من الأمور التي تدور معها وجودا وعدما، كمبدأ الضرورة، انطلاقا من القاعدة المعلومة في الدين » الضرورات تبيح المحظورات »، وقاعدة المعاملة بالمثل، وغيرها من القواعد والمقاصد الكبرى التي جاء بها ديننا الحنيف.
2- إن القول بالجواز على الإطلاق، يعطي صورة غير مرضية عن المسلمين وعن تعاليم الإسلام، لاسيما وأن الحرب هي آخر حل يمكن اللجوء إليه، كما ذهب إلى ذلك فريق المجوزين لاستهداف العدو بكل الأسلحة المتاحة دون قيد أو شرط.
3- إن الموازنة بين المصالح والمفاسد لها أهمية كبيرة في الحرب، خاصة في ظل التطور التكنولوجي والعلمي في مجال التصنيع الحربي والوسائل التي أصبحت متاحة في الحروب، لذا، كان الترجيح بين المصالح والمفاسد فياستخدام الأسلحة التدميرية وجوازها من عدمه واجبا وضروريا.
وللتحري في هذا الحكم، لابد أن نقاربه من عدة مستويات أو ضوابط، ونطرح الفرضيات، ونجيب عليها، عبر مناقشة كل دليل بدليل يقابله، ثم نرجح ما تؤيده الدلائل الشرعية المآزرة بالمقاصد العامة للشريعة وكلياتها الخمس، وتتمثل هذه المستويات في:
الضابط الأول: ما سبق بيانه في الفصل التمهيدي، المتعلق بطبيعة العلاقة التي يجب أن ننظر بها إلى المخالفين علينا (بتعبير الفقهاء قديما) في وقتنا الحالي.
وأما الضابط الثاني: فيتعلق بماهية وطبيعة هذه الأسلحة نفسها، من حيث قوتها التدميرية، وعشوائيتهافي الاستهداف دقائق بعد استخدامها، والتي فصلنا فيها في الباب الأول بإسهاب كذلك.
أما الضابط أو المستوى الثالث: فيتعلق بكلفة المصالح والمفاسد التي تجنيها الأمة أو الدولة الإسلامية من امتلاكها لهذه الأسلحة.
وبذلك تكون هذه الضوابط والمستويات الثلاثة؛ بمثابة الميزان الذي يجب أن يوزن به هذا الحكم، الذي يجب على سؤال مشكل يتعلق؛ بهل يجب على الدولة الإسلامية أن تمتلك أسلحة الدمار الشامل؛ للحفاظ على الدين؟ أم لا يجوز أن تمتلك هذه الأسلحة التدميرية، للحفاظ على الأنفس بالخصوص، وباقي الضروريات التي ترتبط بها من باب أولى؟
وحتى إذا حررنا الحكم الشرعي في التصنيع والامتلاك، ظهر وبان لنا حكم الاستخدام؛ لأنه يدور معه وجودا وعدما؛ لأن الامتلاك مظنة الاستخدام في أي وقت، وليس كما تنظر القوانين الدولية الوضعية لقانونية وشرعية امتلاكها من طرف الدول العظمى، وتحريمها على ما سواها من الدول.
بالنسبة للمستوى أو الضابط الأول، المتعلق بعلاقتنا مع المخالفين والتي قد تشكل منطلقا للامتلاك والتصنيع لهذه الأسلحة المدمرة؛ فقد سبقنا أن حررنا القول في ذلك، وخلصنا إلى أن علاقتنا مع المخالفين تغيرت في وقتنا الحالي، فلم تعد تبنى على التقسيم الذي كان ينظر به فقهاؤنا للآخر المختلف عنا في العقيدة والشريعة، حيث كانت الحرب تبنى على تسويغ الحرب الهجومية، المبنية على الفتوحات الإسلامية عند كثير منهم، وتبليغ الدعوة الإسلامية والدين، كواجب شرعيمأمور به، فعندما انتفت الحاجة إلى ذلك؛ انتفى معها الحكم كذلك، وذلك لتغير أحوال عصرنا الحالي، لكون الدعوة الإسلامية المأمور به شرعا في غير ما من آية، أصبحت لا تحتاج إلى الغزو والسيف، بل تغيرت الوسائل، ومن هناك تغيرت المقاصد، وذلك بفعل التقدم العلمي لوسائل التواصل والاتصال، التي حولت الكرة الأرضية إلى قرية صغيرة، يمكن للمسلم أن يوصل دعوة هذا الدين وتبيان أحكامه للآخرين في رمشة عين، ومن غير إراقة نقطة دم، إن سلمنا بالحرب الهجومية أصلا.
ومما يؤيد القول الذي ذهبنا إليه؛ هو العدد الكبير من الآيات والأحاديث النبوية التي نهت عن الإكراه في الدين يوم كان الناس في جاهلية وفي عزلة اجتماعية تتخذ من القبيلة والعشيرة دولة مستقلة؛ أما في عصرنا الحالي الذي تطورت فيه النظم البشرية، وأصبحنا نعيش في عالم صغير بمجتمع كبير، رغم الاختلاف في الأجناس، واللغات، والأعراق، فقد أصبح الأمر أكثر حضورا؛ ليدخل لهذا الدين من شاء عن قناعة وبينة، كما بينا في حينه.
فعندما كانت علاقتنا مع الآخر تبنى عن الحرب الهجومية؛ كان مسوغ إعداد العدة والقوة للفتح معتبرا، ومن هناكإعداد كل ما في كلمة القوة من معنى، وليس هناك قوة أكثر من امتلاك أسلحة الدمار الشامل التي يمكن أن تشل قوة العدو عن بعد، ومن غير خسران للأرواح في صفوف جنود المسلمين؟
أما وإن أصبحت هذه الحرب متجاوزة في عصرنا الحالي، وانتفى سببها، فقد انتفى الحكم كذلك، ومن هناك أصبح الباعث لامتلاك أسلحة الدمار الشامل غير ذي معنى.
وقد يعترض على هذا القول: بأن فيه تعطيلا للجهادالمأمور به شرعا الذي كان يوصل الدعوة لمشارق ومغاربها المأمور بها شرعا كذلك؛
نقول إن الجهاد الحقيقي في زماننا هو جهاد النفس، عبر تطويعها لتهتدي بتعاليم الدين، في زمن كثرت فيه الفتن كقطع الليل، والالتزام بأخلاق الإسلام، حتى إذا رأى الأخر المختلف عنا في الدين والعقيدة ما يحببه في الدين من الصدق، والأمانة وحفظها، والإحسان، والعدل، والنظافة والأمان في شوارعنا، وبلداننا؛ دخلوا في هذا الدين أفواجنا، في بلدانهم وشكلوا قوة ضغط رهيبة في أي حرب قد تشن على الدولة الإسلامية؛ وبذلك تحقق المقصد العام من الجهاد، والشواهد من القرآن والسنة على كل هذه التعاليم والخصال كثيرة ومتعددة، بل هي معلومة من الدين بالضرورة.
وإن الجهاد الحقيقي في وقتنا الحالي، الذي يجب على المسلمين الانخراط في صفوفه؛ يتمثل في تعليم المجتمع وإخراج أبنائه وبناته من براثن الجهل، الذي أدى إلى تأخر المسلمين وأفول نجم نهضتهم؛ التي خلقت تمثلات خاطئة عند المخالفين لنا، مفادها أن هذا الدين؛ هو دين تخلف وخرافة، الدخول إليه لا ينتج سوى الأمراض الاجتماعية، ومن هناك الابتعاد عنه بل ومحاربته ومعاداته.
وقد يعترض على هذا القول كذلك بقولهم: إن في عدم تصنيع وامتلاك هذه الأسلحة مخالف لقوله تعالى « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ».
فنقول: إن القوة هنا جاءت بصيغة العموم، ولم يقرنها الله سبحانه وتعالى بالقوة العسكرية؛ وبالتالي، فكل ما يدخل في القوة مأمور به، من القوة الاقتصادية، والمادية والمالية، والقوة العلمية في العلوم البحثة في الزراعة والطب، فكم من دولة في زماننا الحالي لا تمتلك سلاحا، ولا جيشا حربيا متطورا، ولكنها تسود العالم، في المجال الاقتصادي، والزراعي، والطبي، مما يدفع الدول المالكة لأسلحة التدمير الشامل، والتي سخرت كل إمكانياتها المادية للتصنيع العسكري، تتودد إليها وتستعين بتقنياتها وعلومها ذات الصبغة المدنية والتي تحقق السعادة ورغد العيش لشعوبها، بدل الصناعة التسليحية التي تجلب الدمار والبؤس والتعاسة مهما حققته من انتصارات حربية.
ثم إن واقعنا المعاصر المبني على المصالح الاقتصادية المشتركة، تجعل الدول القوية في الاقتصاد، والمال والأعمال، والزراعة، والتقانة المدنية، تحصل على أعثى الأسلحة بصفقات اقتصادية متبادلة، وهنا لابد من التذكير بالسلاح الذي استعملته الدول العربية بقيادة الملك فيصل ملك العربية السعودية أيام حرب أكتوبر 1973، المتمثل في سلاح البترول وقطع إمداداته على الدول الغربية المتحالفة مع إسرائيل، وكيف شكل هذا القرار (أو السلاح) قوة لإخضاع الدول الغربية وإسرائيل وإجبارها هذه الأخيرة على الانسحاب من الأراضيالفلسطينية المحتلة في حرب 1967.
وهذه هي القوة الحقيقية التي يجب أن تبنى عليها وحدة الأمة والدول الإسلامية، وبناء اقتصاد قوي، متغلغل في الدول المختلفة علينا، ومن هناك تكون السيادة للأقوى في المال والأعمال والاقتصاد لا فيمن يصنع الأسلحة التدميرية، ويخزنها، وهو يعيش في التخلف الاقتصادي كما هو الحال لدولة كوريا الشمالية، مقارنة بشقيقتها الجنوبية التي سادت العالم بتقنياتها في الصناعة والتكنولوجيا الدقيقة.
وأما الضابط الثاني المتعلق بماهية وطبيعة هذه الأسلحة، وقوتها التدميرية، والعشوائية في الاستهداف التي تترتب عليها دقائق بعد استخدامها، والتي فصلنا فيها بإسهاب في الباب الأول كذلك، فلابد من النظر فيهعبر حالتين:
الحالة الأولى: أما إذا بادر العدو باستخدام أسلحة الدمار الشامل: فنقول أنه في هذه الحالة، أن الإسلام قد أقر مبدأ المعاملة بالمثل في كثير من أحكام الحرب، وقواعد القتال وآثاره فقال الله تعالى « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم »، وقوله تعالى « وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة »، وقال تعالى « وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للشاكرين » يقول الإمام محمد أبو زهرة: » وإذا كان الاعتداء ظلما فرده عدل، ولذا كان قانون المعاملة بالمثل قانونا إسلاميا عادلا »؛ وعلى ذلك؛ فإذا استخدم العدو في قتالهللمسلمين، وتم استهدافهم بسلاح فتاك مدمر كالقنابل النووية أو غيرها، فإنه يكون جزاؤه أن يعامل بالمثل، ويحارب بنفس الوسيلة الحربية، كما سار على ذلكالصحابة رضي الله عنهم في حروبهم مع أعدائهم، فقد جاء في وصية أبي بكر لخالد بن الوليد رضى الله عنهما: « إذا لقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف ».
فكان استخدام أسلحة التدمير الشامل في هذه الحالة،يعد أمرا مشروعا في الإسلام، وإلا تعرضت الأمة إلىامتهان كرامتها وعزتها، وبقيت عالة على ما سواها من الأمم تطلب حمايتها والله تعالى يقول » أيبتغون عندهم فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ».
ولكن المعاملة بالمثل في هذه الحالة، مشروطة بأن يكون « رد الاعتداء وبالقدر الضروري لرده، فلا يجاوز المقاتل المسلم حدود الدفاع، ويقتل من لا يقاتل، أول يقتل الذرية والشيوخ، ولا يجوز التخريب في ديار العدو إلا إذا كانت توجيه ضرورة حربية اقتضاها القتال في الميدان »، وألاينطوي استخدامها على أضرار بالمسلمين أو بغيرهم من المعاهدين الذين ليسوا طرفا في الحرب، كما لو كان يخشى من انتقال تأثيرات هذه الأسلحة إلى بلادهم، وذلك عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم « لا ضرر ولا ضرار »، وأن يكون استخدامها محدودا، وبالقدر اللازم حجما ونوعا، على أن تقدر الضرورة بقدرها وذلك عملاً بالقاعدة: « ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها » ويتجنب قتل من ليس أهلا للقتال، فالتخريب والإفساد في الأرض لا يجوز إلا لضرورة حربية، فالإسلام لا يتشوف إلى إراقة الدماء، وإزهاق الأرواح وإنما هدفه إعلاء كلمة الله ودفع العدو ما أمكن ».
الحالة الثانية: إذا لم توجد ضرورة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل؛ فنقول: إن الأصل في الإسلام حرمة إتلاف النفوس، والإفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل، وإذا كان تخريب العمران والإفساد في الأرض أمراً محرماً في الإسلام، فإن استخدام القنبلة النووية وما في حكمها أشد تحريما، إذا لم يبادر العدو إلى استخدامها، ولم يغلب على الظن أنه يستخدمها، ولم توجد ضرورة لذلك، لأنه تخريب للعمران، وقد نهى الله عنها فقال الله تعالى « ولا تفسدوا في الأَرْضِ بعد إصلاحها »؛ فمن المعروف أن استخدام أسلحة الدمار الشامل في الحرب يؤدي إلى إفناء للخلق وإفساد لهم،دون تمييز بين مقاتل وغيره، والله تعالى ما أراد إفناء الخلق ولا إفساد العالم ولا خلقهم ليقتلوا، وإنما أبيح قتلهم لعارض ضرر وجد منهم، وإذا لم يوجد لا يجوز قتلهم ».
كما أن المبادئ الإنسانية والأخلاق الرفيعة التي وضعها الإسلام، والمقاصد العامة التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية والتي حرمت قتل الأنفس، وجعلت ضروري حفظ النفس مقدم على حفظ الدين في كثير من الحالات كما مر بنا في مبحث الضروريات الخمس؛ لا تؤيد استخدام هذه الأسلحة، لأنها أسلحة دنيئة وخسيسة ومبيدة للجنس البشري تنبذها مكارم الأخلاق، وضارة ضررا عاما، فما زال اليابانيون يعانون من هذا السلاح المميت حتى اليوم ».
أما فيما يخص الضابط الثالث: المتعلق بكلفة المصالح والمفاسد التي تجنيها الأمة أو الدولة الإسلامية من امتلاكها لهذه الأسلحة واستخدامها، فإني أرى أن مفاسد تصنيع وامتلاك هذه الأسلحة المرعبة تفوق مصالحها مهما عددنا هذه المصالح، والشواهد في ديننا كثيرة ومتعددة كما أشرنا إلى ذلك سابقا؛ يضاف إلى ذلك أننا في الأول والأخير دين سلم وسلام، سخرنا الله تعالى لنرشد الناس لسبل السلام والخير، لا أن نفتعل الأزمات، وكلفنا بمهمة الاستخلاف في الأرض، التي توجب علينا أن نكون رحماء مع الآخرين والمخالفين، مهما كان جبروتهم، اقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن منفرا ولا فظا مع الناس، حتى دخل الناس في دينه أفواجا.
والله تعالى أعلى وأعلم.